الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١١٧ - الأمر الثاني الزهد
من هلك من هذه الأمة؟» فقالوا: بعضه، فأما كلّه فلا. فقال لهم (عليه السلام): «من هاهنا أتيتم، و كذلك أحاديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أما ما ذكرتم من إخبار اللّه إيانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم، فقد كان مباحا جائزا و لم يكونوا نهوا عنه، و ثوابهم منه على اللّه، و ذلك أن اللّه جلّ و تقدّس أمر بخلاف ما عملوا به، فصار أمره ناسخا لفعلهم، و كان نهي اللّه تبارك و تعالى رحمة للمؤمنين لكي لا يضرّوا بأنفسهم و عيالاتهم، فهم الضعفة الصغار و الولدان، و الشيخ الفان، و العجوز الكبيرة الذين لا يصبرون على الجوع، فإن تصدّقت برغيفي و لا رغيف لي غيره ضاعوا و هلكوا جوعا، فمن ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان و هو يريد أن يمضيها، فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والديه، ثم الثانية على نفسه و عياله، ثم الثالثة على القرابة و إخوانه المؤمنين، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل اللّه». ثم ساق (عليه السلام) جملة من أحاديث جدّه النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قال بعد أن رواها:
«فهذه أحاديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يصدّقها الكتاب، و الكتاب يصدّقه أهله من المؤمنين، ثم من قد علمتم في فضله و زهده سلمان و أبو ذر، فأما سلمان فكان إذا أخذ عطاءه، رفع منه قوته لسنته حتى يحضره عطاؤه من قابل، فقيل له: يا أبا عبد اللّه، أنت في زهدك تصنع هذا و إنك لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا؟ فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم علي الفناء، أو ما علمتم يا جهلة أن النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت. و أما أبو ذر فكانت له نويقات و شويهات يحلبها و يذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، أو نزل به ضيف، أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور أو من الشاء على قدر ما يذهب عنهم قرم اللحم (الشهوة إلى اللحم) فيقسّمه بينهم، و يأخذ كنصيب أحدهم لا يفضل عليهم، و من أزهد من هؤلاء و قد قال فيهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ما قال، و لم يبلغ من أثرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتة، كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم و شيئهم، و يؤثرون به على أنفسهم و عيالاتهم ...
أخبروني لو كان الناس كلهم كما تريدون زهّادا لا حاجة لهم في متاع غيرهم، فعلى من كان يتصدّق بكفارات الأيمان و النذور و الصدقات من فرض الزكاة، إذا كان الأمر على ما تقولون لا ينبغي لأحد أن يحبس شيئا من عرض الدنيا إلا قدّمه و إن كان به خصاصة، فبئس ما ذهبتم إليه، و حملتم الناس عليه من الجهل بكتاب اللّه و سنة