الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١١٦ - الأمر الثاني الزهد
الذي لا يطفى، و بعزائمك التي لا تخفى، و بعزّك الذي لا ينقضي، و بنعمك التي لا تحصى، و بسلطانك الذي كففت به فرعون عن موسى» و دعا على داود حتى سمعوه يقول: «الساعة الساعة» فما استتم دعاءه حتى سمعت الصيحة في دار داود [١].
و قد قلنا في الجزء الثاني أن المنصور اقتضت سياسته عند اشتداد ملكه بأن يقضي على الإمام الصادق، و اتخذ شتى الوسائل في ذلك، فكم مرة يحضره للفتك به، و كانت سلامته في تلك المواقف أعجوبة، لأن المنصور لا يتورّع عن إراقة الدماء، و لكن عناية اللّه و عينه التي كانت ترعى الإمام دفعت عنه كيده في كل مرة كان المنصور ينوي بها الفتك بالإمام الصادق.
يحدثنا علي بن مسيرة، قال: لما قدم أبو عبد اللّه على أبي جعفر، أقام أبو جعفر مولى له على رأسه، و قال له: إذا دخل جعفر بن محمد فأضرب عنقه. فلما دخل أبو عبد اللّه نظر إلى أبي جعفر و أسرّ شيئا في نفسه ثم أظهره: «يا من يكفي خلقه كلهم و لا يكفيه أحد، اكفني شرّ عبد اللّه بن علي» فسلّمه اللّه من شرّه و استجاب دعاءه [٢].
و خلاصة القول، أن الإمام الصادق لم يكن يرى التصوّف أو يقصد تأييد ما ظهر من أفكاره في عصره، بل ما رأته الصوفية و أوّلته و صبّته في قوالب أفكارها، هي معالم سيرة طاهرة عرف بها أهل البيت في كل عصر كقادة للأمة و هداة و أئمة. فلذلك لما جاء قوم- ممن يظهرون التزهّد، و يدعون إلى التقشّف- إلى الإمام الصادق، كما رواها الحسن بن علي بن شعبة الحرّاني الحلبي في تحف العقول كان مما خاطبهم به الإمام الصادق (عليه السلام) «هاتوا حججكم» فقالوا: إن حجّتنا من كتاب اللّه. قال لهم (عليه السلام): «فأدلوا بها فإنها أحق ما اتبع و عمل به» قالوا: يقول اللّه تبارك و تعالى يخبر عن قوم من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فمدح فعلهم. و قال في موضع آخر: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً فنحن نكتفي. فقال الإمام (عليه السلام): «أخبروني أيها النفر أ لكم علم بناسخ القرآن من منسوخه، و محكمه من متشابهه الذي في مثله ضلّ من ضلّ و هلك
[١] الكافي ج ٢ ص ٥٥٧ ط ٢.
[٢] الكافي ج ٢ ص ٥٦١.