سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٧٧ - موازنة ما أفاده (قدس سره)
كان الحال كذلك وكانت مدركات العقل العملية كلّها قضايا من مواد مشهورة غير بديهية، فكيف يمكن للعقل إقامة برهانٍ في هذا الباب؟ فلا بدّ مع هذا الإعتراف [تبعاً للشيخ الرئيس والخواجة نصير الدين الطوسي] من إمكان إقامة البرهان على بعضها من وجود بعض القضايا البديهية في هذا الباب وإلّا فكيف يتمكّن من إقامته.
ومن ثمّ فإنّ الشيخ الرئيس وإن كان أوّل من أبدى وأظهر الخلاف في الحكم بالبداهة في الحكماء [تبعاً لما أتى به الشيخ الأشعري من المغالطة في الباب] إلّا أنه مع إعترافه بإمكان إقامة البرهان على بعض تلك القضايا في باب العقل العملي، قد أقرّ لوجود مواد بديهية هي الأسّ في الأقيسة البرهانية الممكن إقامتها في هذا الباب؛ وبالتالي فهو لا يذهب إلى كون جميع قضايا العقل العملي داخلة في المشهورات فقط، بل بعضها داخل في البديهيات أيضاً.
الثاني: كون العدل مشتملًا على المصلحة والكمال، والظلم مشتملًا على المفسدة والنقص، وأنّ الأوّل ملائم للقوّة بحسب كونه كمالًا لكلّ منها، والثاني منافر لها لكونه نقصاً لها؛ ولذلك يحبّ الإنسان العدل لما فيه من المصلحة العامّة، وينفر من الظلم لما فيه من المفسدة العامّة.
فمع هذا الإعتراف يلزمه تخطئة ما تابع فيه الشيخ الرئيس من أنّ قبح الظلم وحسن العدل إنما يقضي بها الإنسان للإنفعال وللعادة التي نشأ عليها وتعوّد عليها من تكرار التأديب؛ إذ الإعتراف المزبور يقضي بأنّ نفرة الإنسان من الظلم لحيثية واقعية في فعل الظلم، وأنّ حبّ الإنسان للعدل لحيثية واقعية في فعل العدل؛ لملائمة الكمال للقوى ومنافرة النقص لها، لا لكون ذلك انفعالًا أو عادة موضوعة جعلية.
هذا وكذلك يلزمه الإعتراف بقبح الظلم وحسن العدل بالمعنى المتنازع عليه وهو صحّة المدح، فإنّ الذم حدّه الماهوي هو الإخبار بالنقص والشرّ والتوصيف به، والحدّ الماهوي للمدح هو الإخبار