عدة الداعي و نجاح الساعي - ابن فهد الحلي - الصفحة ٩٦
فانظر رحمك الله إلى حسن هذا الحديث و ما دل عليه من الفوائد و قد ذكر أن الصبر و القناعة و الرضا و الزهد و الإخلاص و اليقين أمور متشعبة [منشعبة] عن التوكل و كفى بهذا مدحا للتوكل ثم ذكر في حد التوكل بأن المخلوق لا يضر و لا ينفع و لا يعطي و لا يمنع و استعمال اليأس من الناس- فهذه خمس دعائم للتوكل أربعة علمية و واحدة عملية و لا قوام للأربعة بدون الخامس بل هو ملاكها و عنده تظهر ثمرتها و تحمد جناها و من هذا يعلم أنه لا قوام للعلم بدون العمل و أنه لا يزكو و لا ينتفع به صاحبه ما لم يعمل به و هذا ظاهر فإن من اشتكى وجع ضرسه و هو يعلم أن الحامض يضره ثم أكل حامضا فإنه يوجعه ضرسه قطعا و لم يكن علمه بذلك نافعا له حيث ترك العمل به ثم انظر إلى النتيجة الحاصلة من الدعائم في
قوله ص فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لأحد سوى الله و لم يزغ قلبه
إلى آخره و هو ثلاثة أمور الأول الإخلاص لأنه إذا تحقق كون المخلوق لا يضر و لا ينفع لم يعمل له و لم يطلب المنزلة في قلبه فانحسم عنه داعية الرياء فلم يزغ قلبه و بقي مستقيما بإخلاصه و إيقاعه لعبادته على وجهها اللائق بها الثاني العزة بتمام الغنى عن الناس في قطع الطمع منهم لأن من تحقق أن لا معطي من الخلق لم يرجه و اعتمد برجائه على ربه لأنه المعطي لا غيره- الثالث نيل الأمن و عدم الخوف من سائر المخلوقات و عامة المؤذيات و لهذا كان المخلصون و العباد و السياح يمرون على السباع غير مكترثين بها فإن من تيقن أن المخلوق لا يضر لم يخف منه و كان اعتقاده في السبع كاعتقاده في البقية.
وَ حَدَّثَ أَبُو حَازِمٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ قَدِمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ