عدة الداعي و نجاح الساعي - ابن فهد الحلي - الصفحة ٣٠٢
ثم اعلم أن وراء هذا الأقسام الثلاثة قسم رابع من أقسام الذكر- و هو أفضل منها بأجمعها و هو ذكر الله سبحانه عند أوامره و نواهيه فيفعل الأوامر و يترك النواهي خوفا منه و مراقبة له.
رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ الْخُزَاعِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ أَ لَا أُخْبِرُكَ بِأَشَدِّ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ قَالَ بَلَى ثُمَّ قَالَ مِنْ أَشَدِّ مَا فَرَضَ اللَّهُ إِنْصَافُكَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَ مُوَاسَاتُكَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ فِي مَالِكَ وَ ذِكْرُ اللَّهِ كَثِيراً أَمَا إِنِّي لَا أَعْنِي سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَ إِنْ كَانَ مِنْهُ وَ لَكِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ مَا أَحَلَّ وَ حَرَّمَ إِنْ كَانَ طَاعَةً عَمِلَ بِهَا وَ إِنْ كَانَ مَعْصِيَةً تَرَكَهَا.
وَ مِثْلُ هَذَا قَوْلُ جَدِّهِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ ذَكَرَ اللّٰهَ كَثِيراً- وَ إِنْ قَلَّتْ صَلَاتُهُ وَ صِيَامُهُ وَ تِلَاوَتُهُ الْقُرْآنَ
فقد جعل طاعة الله هي الذكر الكثير مع قلة الصلاة و الصيام و التلاوة.
وَ مِثْلُ قَوْلِهِ ص إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُولُ لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ وَ لَكِنْ هَوَاهُ وَ هَمُّهُ وَ إِنْ كَانَ هَوَاهُ فِيمَا أُحِبُّ وَ أَرْضَى جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْداً لِي وَ وَقَاراً وَ إِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ
فانظر كيف جعل مدار القبول و الثواب ما في النفس من ذكر الله و الطمأنينة إليه و المراقبة له و إنه لا يقبل كل الكلام بل إنما يقبل منه ما كان مطابقا لما في القلب من الميل إلى الله سبحانه بالقيام بأوامره و اجتناب مساخطه فإنه إذا كان موصوفا بهذه جعل صمته حمدا و هذا مثل قوله ع و إن قلت صلاته. و يقرب من هذا
قوله ع يَكْفِي مِنَ الدُّعَاءِ مَعَ الْبِرِّ مَا يَكْفِي الطَّعَامَ مِنَ الْمِلْحِ
فقد اكتفى باليسير من الدعاء مع أفعال الخير و أخبر أن الكثير من الدعاء و الذكر مع عدم اجتناب النواهي غير مجد كما في
قوله ع مَثَلُ الَّذِي يَدْعُو بِغَيْرِ عَمَلٍ كَمَثَلِ الَّذِي يَرْمِي بِغَيْرِ وَتَرٍ.
وَ فِي قَوْلِهِ