عدة الداعي و نجاح الساعي - ابن فهد الحلي - الصفحة ٢٣٠
في الخلق لم يخل من الذل و الخيبة و إن وصل إلى المراد لم يخل من المنة و المهانة و كيف يترك العاقل ما عند الله برجاء كاذب و وهم فاسد و قد يصيب و قد يخطئ و إن أصاب فلا تقي لذته بألم منته و مذلته و هو من قسم الله له و محسوب عليه من رزقه فينبغي أن يقرر العاقل في نفسه هذه الأسباب و ضررها و ما يصير إليه مالها فيقل رغبته عنها و يقبل إلى الله بقلبه- فإن العاقل لا يرغب فيما يكثر عليه ضرره و يكفيه إن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء و إظهاره الإخلاص لمقتوه و سيكشف الله تعالى عن سره حتى يبغضه إليهم و يعرفهم أنه مراء ممقوت عند الله و لو أخلص لله لكشف الله لهم إخلاصه و حببه إليهم و سخرهم له و أطلق ألسنتهم بحمده.
روي أن رجلا من بني إسرائيل قال لأعبدن الله عبادة أذكر بها- فمكث مدة مبالغا في الطاعات و جعل لا يمر بملإ من الناس إلا قالوا متصنع مراء فأقبل على نفسه و قال قد أتعبت نفسك و ضيعت عمرك في لا شيء فينبغي أن تعمل لله سبحانه فغير نيته و أخلص عمله لله تعالى- فجعل لا يمر بملإ من الناس إلا قالوا ورع تقي
و مثل هذا الحديث ما سبق من
قوله عليك ستره و علي إظهاره.
و قولهم إن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق
مع أن مدح الناس لا ينفعه و هو مذموم عند الله و من أهل النار و ذمهم لا يضره و هو محمود عند الله في زمرة المقربين و كيف يضره ذمهم أو كيدهم و
النبي ص يقول مَنْ آثَرَ مَحَامِدَ اللَّهِ عَلَى مَحَامِدِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مَئُونَةَ النَّاسِ.
وَ قَالَ النَّبِيُّ ص مَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ-