عدة الداعي و نجاح الساعي - ابن فهد الحلي - الصفحة ٢٢٩
وَ قُلْ لِلنَّارِ لَا تُحْرِقْ لَهُمْ أَيْدِياً فَقَدْ كَانُوا يَرْفَعُونَهَا إِلَيَّ بِالدُّعَاءِ وَ قُلْ لِلنَّارِ لَا تُحْرِقْ لَهُمْ أَلْسِنَةً فَقَدْ كَانُوا يُكْثِرُونَ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ فَيَقُولُ لَهُمْ مَالِكٌ يَا أَشْقِيَاءُ مَا كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ فِي الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ كُنَّا نَعْمَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ فَيَقُولُ لَهُمْ خُذُوا [لِتَأْخُذُوا] بِثَوَابِكُمْ مِمَّنْ عَمِلْتُمْ لَهُ.
و الرياء موجب للمقت من الله و معرض للخزي في الدنيا و الآخرة- حيث يُنَادَى عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ يَا فَاجِرُ يَا غَادِرُ يَا مُرَائِي أَ مَا اسْتَحْيَيْتَ إِذَا اشْتَرَيْتَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَاقَبْتَ قُلُوبَ الْعِبَادِ وَ اسْتَخْفَفْتَ بِنَظَرِ سُلْطَانِ الْمَعَادِ وَ تَحَبَّبْتَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِالتَّبَغُّضِ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَ تَزَيَّنْتَ لَهُمْ بِعَمَلِ اللَّهِ وَ تَقَرَّبْتَ إِلَيْهِمْ بِالْبُعْدِ مِنَ اللَّهِ وَ طَلَبْتَ رِضَاهُمْ وَ تَعَرَّضْتَ لِسَخَطِهِ أَ مَا كَانَ أَهْوَنُ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ.
فمهما تفكر العبد في هذا الخزي و قابل ما يحصل له من العباد- و التزين لهم في الدنيا بما يهدم عليه من ثواب أعماله التي كانت ترجح ميزانه لو خلصت لله و قد فسدت بالرياء و قد حولت إلى كفة السيئات- فلو لم يكن في الرياء إلا تحويل العمل من الثواب إلى العقاب لكان كافيا في معرفة ضرره و رادعا عن الإلمام به و قد كان ينال بهذه الحسنات [الحسنة] رتبة الصديقين و قد حط إلى درك السافلين فيا لها حسرة لا تزال و عثرة لا تستقال مع ما يناله من الخزي و التوبيخ في المعاد على رءوس الأشهاد- مضافا إلى ما يعرض له في الدنيا من تشنب [تسبب] الهم بسبب ملاحظة قلوب الخلق فإن رضا الناس غاية لا تدرك كلما رضي به فريق يسخط به فريق و رضا بعضهم في سخط بعض و من طلب رضاهم في سخط الله سخط الله عليه و أسخطهم أيضا عليه.
ثم أي غرض له في مدحهم و إيثار ذم الله تعالى لأجل حمدهم و لا يزيده حمدهم رزقا و لا أجلا و لا ينفعه يوم فقره و فاقته في شدة القيامة- و أما الطمع بما في أيديهم فالله هو الرزاق و عطاؤه خير العطاء و من طمع