الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٩٩ - في بيان أن الفصل لا يكون خارجا عن الجنس
فيمكن صيرورة الحيوان الأسود لا أسود أو بالعكس و الحيوان هو بعينه و يمتنع ذلك في الفصل فلا يكون الفصول إلا معاني لازمة للأقسام و إليه الإشارة بقوله و أن يكون القسمة مستحيلا أن ينقلب إلى قوله و بعد ذلك الثالث أن لا يكون المقسم عارضا للجنس بسبب أمر أعم أو أخص فإنه إن كان عارضا بسبب شيء أعم مثل أن يقال الحيوان منه أبيض و منه أسود و الإنسان منه ذكر و منه أنثى فليس ذلك من فصول المقسم بل الحيوان إما صار أبيض أو أسود لأنه جسم قائم بالفعل موضوع لهذا العوارض لا لأنه جسم نام فضلا عن كونه حيوانا و الإنسان إما صار ذكرا أو أنثى لأجل أنه حيوان و إليه الإشارة بقوله و بعد ذلك فيجب أن يكون الموجب من القسمين أو كلاهما ليسا عارضين له بسبب شيء قبلهما و المراد من الموجب من القسمين هو القسم الوجودي و إنما ردد لأجل الخلاف الواقع في أن الأمر العدمي هل يجوز أن يكون فصلا أو لا و لما لم يكن هاهنا موضع بيانه أجمل الكلام على وجه الترديد و نحن سنحقق القول فيه عن قريب الرابع أنه لا يكون لاحقا للجنس بسبب شيء أخص منه فإن ذلك ليس فصلا قريبا لهذا الجنس بل إما أن كان لازما من لوازم فصله و إما أن كان فصلا بعيدا مثال اللازم ما إذا قيل الجوهر إما أن يكون قابلا للمشي أو لا يكون فإن قابلية المشي عرضت للجوهر بسبب شيء آخر هو الفصل و هو الحساسية و كذا مقابله إنما يعرض للجوهر بسبب فصل آخر يقابله و هو كونه غير حساس و مثال الفصل البعيد أن يقال الجوهر أو الجسم إما ناطق أو غير ناطق فإن الجوهر بما هو جوهر و كذا الجسم بما هو جسم غير مستعد لذلك بل يحتاج أن يكون ذا نفس حتى يصير ناطقا أو قسيمه و إلى هذا أشار بقوله و قد يجوز أن يكون بعض ما لا يعرض أولا فصولا إلى آخره الخامس أن القسمة اللازمة التي يقسم بها معروضه يجب أن لا يكون بواسطة أمر آخر مطلقا فإنها إذا عرضت له لا لذاته بل لأمر آخر سواء كان مساويا أو لا جاز أن لا يكون المقسمات بها فصولا كقسمة الجوهر إلى المتخير و غير المتخير أو إلى قابل الحركة و غير قابل الحركة فالقابل للحركة لا يلحق الجوهر أولا و بالذات بل بعد أن يصير ذا أبعاد ثلاثة و إليه أشار بقوله و يتضمن طبيعة الجنس أن يكون له ذلك المعنى أولا إلى قوله و قد يجوز و اعلم أن القسمة اللازمة التي لا يكون بسبب أمر آخر لا أعم و لا أخص و لا غيرهما قد لا يكون بفصول كالذكورة للحيوان فإن القسمة بها أولية و إن كانت الأقسام ليست أولية و يدل عليه أمور أربعة أحدها أنه يمكن لنا أن نتوهم حيوانا موجودا بالفعل لا ذكرا و لا أنثى و الفصل لا يكون كذلك لأنه لا يمكن أن يكون الحيوان مثلا لا ناطقا و لا أعجما و اللون لا أسود و لا أبيض و ثانيها أن الذكر إنما صار ذكرا بحرارة عرضت لمزاجها في ابتداء تكونه و لو قدرنا أنه عرضت له برودة صار أنثى و الفصول بإزاء الصور لا بإزاء المؤلف لكن الذكورة أو الأنوثة إنما عرضت من جهة المادة فإن بدلت تلك الحرارة لكان ذلك الشخص بعينه أنثى و الفصل لا يكون كذلك لأن الحيوان الذي صار إنسانا يستحيل أن يعرض له عارض آخر يصير به فرسا فلا يمنع انفعالات المادة من حصول صور للجنس و ماهية و لا أيضا يمنع أن يقع للجنس القسمة و الافتراق من جهة الصورة بالفصول إذ الصور علل مقتضية للمواد دون العكس لأن شأن المواد الانفعال و التأثر لا الاقتضاء و المنع فليس طرفا هذه القسمة من الفصول بل من العوارض اللازمة فانفعال المادة بالحرارة حتى صارت ذكرا أو بالبرودة حتى صار أنثى لا يمنع الصورة أعني النفس هاهنا أن يكون على أي فصل كان من فصول الحيوان من جهة صورته و لهذا ترى قد يكون الذكر حيوانا ناطقا و قد يكون غير ناطق فرسا أو حمارا أو بقرا أو غير ذلك فلم يكن الذكورة أو الأنوثة مؤثرة في تنويع الجنس الحيواني و ثالثها أن الذكورة و الأنوثة آلات للتناسل و التناسل بعد الحياة فآلاتها إنما يعتبر بعد الحياة فلا يكون مقومة لجوهر الحي و رابعها أن الإنسان الذي هو ناطق و ذكر ليس أحد الوصفين بواسطة الآخر فإنه قد يوجد إنسان غير ذكر و ذكر غير إنسان فالوصفان إذا في درجة واحدة
فإما أن يكون كل منهما فصلا و هو محال لاستحالة أن يكون للنوع الواحد مقومان كما ستعلمه و إما أن يكون الفصل أحدهما لكن الناطق فصل بالاتفاق فالذكورة لا يكون فصلا السادس أن لا يكون الفصل أمرا عدميا لأنه سبب وجود حصة النوع من الجنس و العدم لا يكون علة فضلا عن كونه علة لوجود بل يجب أن يكون الفصل أقوى وجودا و تحصلا من الجنس فإن قيل أ ليس الحيوان انقسم إلى ناطق و لا ناطق كان اللاناطق أيضا فصلا كالناطق قلنا لا يلزم أن يكون اللاناطق فصلا و إن وقع به التقسيم و صار مقابلا للناطق الذي هو الفصل و الذي يقال أن الفصل يجب أن يكون مقسما للجنس ليس يلزمه أن يكون كل ما وقع به التقسيم و حصل به قسم مقابل للأول فصلا و لا أن يكون القسم الثاني نوعا مقابلا للأول فإن الفصل كمال صوري حصل للجنس و صار به نوعا طبيعيا و لا يلزم أن يكون إذا حصلت للجنس كمالية زائدة في بعض المواد فلا بد أن يحصل له في مادة أخرى كمال آخر زائد عليه بل قد يحصل و قد لا يحصل فإن الجسم مثلا قد يتم وجوده بأن يكون له مع الجسمية صورة نوعية