سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠١ - الثالث
الأطبّاء، و تعرفه الحكماء، و كلّ ما فعله أو قاله في أعلى درجات الصّواب، عصمه اللّه أن يقول إلا صدقا حقّا.
و قال ابن القيّم في الهدي: كان علاجه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ثلاثة أنواع:
أحدها: بالأدوية الطّبيعية.
و الثاني: بالأدوية الإلهيّة.
و الثالث: بالمركب من الأمرين، ثم قال: كان من هديه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فعل التّداوي في نفسه، و الأمر به لمن أصابه مرض من أهله و أصحابه، و لكن لم يكن من هديه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و لا هدي أصحابه- رضي اللّه تعالى عنهم- فعل هذه الأدوية المركّبة، التي تسمّى أقرباذين، بل كان غالب أدويتهم بالمفردات، و ربّما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه أو يكسر سورته، و هذا غالب طبّ الأمم على اختلاف أجناسها من العرب و التّرك و أهل البوادي قاطبة، و إنما عنى بالمركّبات الرّوم و اليونان، و قد اتّفق الأطبّاء على أنّه متى أمكن التّداوي بالغذاء لا يعدل إلى الدّواء و متى أمكن بالبسيط لا يعدل إلى المركّب.
قالوا: و كلّ داء قدر على دفعه بالأغذية و الحمية، لم يحاول دفعه بالأدوية.
قالوا: و لا ينبغي للطّبيب أن يولع بسقي الأدوية، فإنّ الدّواء إذا لم يجد في البدن داء حلله أو وجد داء لا يوافقه أو وجد ما يوافقه، فزادت كميّته عليه، أو كيفيّته، تشبث بالصّحّة، و عبث بها، و أرباب التّجارب من الأطبّاء طبّهم بالمفردات غالبا، و هم أحد فرق الطّبّ الثلاث، و التحقيق في ذلك أنّ الأدوية من جنس الأغذية، فالقوم الذين غالب أغذيتهم المفردات، أمراضهم قليلة جدّا، و طبّهم بالمفردات، و أهل المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركّبة يحتاجون إلى الأدوية المركبة، و سبب ذلك أن أمراضهم في الغالب مركبة، فالأدوية المركبة أنفع لها، و أمراض أهل البوادي و الصّحاري مفردة، فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة، فهذا برهان بحسب الصّناعة الطّبّيّة.
و نحن نقول: إن ها هنا أمرا آخر، نسبة طب الأطبّاء إليه كنسبة طب الطرقية و العجائز إلى طبّهم، و قد اعترف به حذّاقهم و أئمتهم فإن ما عندهم من العلم بالطّبّ إما قياس، و إما تجربة، و إما إلهامات و منامات و حدس صائب، و إما مأخوذ من الحيوانات، كما نشاهد السّنانير إذا أكلت ذوات السّموم تعمد إلى السّراج فتلغ من الزّيت تتداوى به، و كما رؤيت الحيّات إذا خرجت من بطون الأرض و قد غشيت أبصارها تأتي إلى ورق الرازيانج، فتمرّ عيونها عليها، و أين يقع هذا و أمثاله من الوحي الذي يوحيه اللّه إلى رسوله بما ينفعه و يضرّه فنسبة ما عند الأطبّاء من الطّب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء- (صلوات الله و سلامه عليهم)-