سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩٢ - الباب الثاني عشر في سيرته- (صلّى اللّه عليه و سلّم) في علاج الصرع
الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب و اللسان، فإن هذا نوع محاربة، و المحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا، و أن يكون الساعد قويا، فمتى تخلّف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل، فكيف إذا عدم الأمران جميعا:
يكون القلب خرابا من التوحيد، و التوكل، و التقوى، و التوجه، و لا سلاح له.
و الثاني: من جهة المعالج، بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا، حتى أن من المعالجين من يكتفي بقوله: «اخرج منه». أو بقول: «بسم الله»، أو بقول: «لا حول و لا قوة إلا بالله»،
و النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان يقول: «اخرج عدو الله أنا رسول اللّه» [١].
و شاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه، و يقول: قال لك الشيخ: اخرجي، فإن هذا لا يحلّ لك، فيفيق المصروع، و ربما خاطبها بنفسه، و ربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب، فيفيق المصروع و لا يحس بألم، و قد شاهدنا نحن و غيرنا منه ذلك مرارا.
و كان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥].
و حدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح: نعم، و مد بها صوته. قال:
فأخذت له عصا، و ضربته بها في عروق عنقه حتى كلّت يداي من الضرب، و لم يشكّ الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب. ففي أثناء الضرب قالت: أنا أحبّه، فقلت لها: هو لا يحبك، قالت: أنا أريد أن أحجّ به، فقلت لها: هو لا يريد أن يحجّ معك، فقالت: أنا أدعه كرامة لك، قال: قلت: لا و لكن طاعة لله و لرسوله، قالت: فأنا أخرج منه، قال: فقعد المصروع يلتفت يمينا و شمالا، و قال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: و هذا الضرب كلّه؟ فقال:
و على أي شيء يضربني الشيخ و لم أذنب، و لم يشعر بأنه وقع به ضرب البتة.
و كان يعالج بآية الكرسي، و كان يأمر بكثرة قراءتها المصروع و من يعالجه بها، و بقراءة المعوّذتين.
و بالجملة فهذا النوع من الصرع، و علاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم و العقل و المعرفة، و أكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم، و خراب قلوبهم و ألسنتهم من حقائق الذكر، و التعاويذ، و التحصّنات النبوية و الإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، و ربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا.
[١] أخرجه أحمد ٤/ ١٧٠- ١٧٢.