سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١٢ - الباب الثالث و الثلاثون في ذكر خبر السقيفة و بيعة أبي بكر- رضي اللّه تعالى عنه- بالخلافة بعد موت سيدنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)
عويم بن ساعدة»]
[١] و معن بن عديّ و يقال: إنه لما بكى الناس على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حين توفّاه اللّه تعالى، و قالوا وددنا و اللّه أن متنا قبله، إنا نخشى أن نفتن بعده، فقال معن: إني و اللّه ما أحب أني متّ قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا، و قتل (رحمه اللّه) شهيدا يوم اليمامة، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، و قالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار قالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم قال: قلت: و اللّه لنأتينّهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمّل فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا: وجع فلما جلسنا نشهد خطيبهم، فأثنى على اللّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن الأنصار و كتيبة الإسلام، و أنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا، و قد دفت إلينا دافّة من قومكم، قال: و إذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، و يغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلّم، و قد زودت في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدّمها بين يدي أبي بكر، و كنت أداري منه بعض الجدّ فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر فكرهت أن أعصبه، فتكلم و كان هو أعلم مني، و أوقر فو اللّه ما ترك من كلمة أعجبتني كنت زورتها في نفسي إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل منها، حتى سكت.
و ذكر ابن عقبة أن عمر أراد أن يتكلم و يسبق بالقول و يمهد لأبي بكر و يتهدد من هناك من الأنصار، و قال عمر: خشيت أن يقصر أبو بكر عن بعض الكلام، و عن ما أجد في نفسي من الشدة على من خالفنا، و زجره أبو بكر، فقال: على رسلك، فسيكثر الكلام إن شاء اللّه تعالى، ثم سوف تقول بعدي ما بدا لك فتشهد أبو بكر، و أنصت القوم ثم قال: بعث اللّه محمدا بالهدى و دين اللّه حق، فدعى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى الإسلام فأخذ اللّه بقلوبنا و نواصينا، إلى ما دعانا إليه، فكنا معشر المهاجرين أوّل الناس إسلاما، و نحن عشيرته و أقاربه و ذوو رحمه، فنحن أهل النبوة و أهل الخلافة و أوسط الناس أنسابا في العرب، ولدتنا كلها، فليس منا قبيلة إلا لقريش فيها ولادة، و لن تعترف العرب و لا تصلح إلا على رجل من قريش، هم أصبح الناس وجوها، و أبسطهم لسانا، و أفضلهم قولا، فالناس لقريش تبع، فنحن الأمراء و أنتم الوزراء، و هذا الأمر بيننا و بينكم قسمة إلا بثلمة، و أنتم يا معشر الأنصار إخواننا في كتاب اللّه، و شركاؤنا في الدين، و أحبّ الناس إلينا، و أنتم الذين آووا و نصروا، و أنتم أحق الناس بالرضا بقضاء اللّه و التسليم لفضيلة ما أعطى اللّه إخوانكم من المهاجرين، و أحق الناس ألا تحسدوهم على خير أتاهم اللّه إياه و أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، و لن تعرف العرب هذا الأمر، إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا و دارا، و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين،
[١] ما بين المعكوفين سقط في ب.