سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨١ - الباب السابع و العشرون في عظم المصيبة و ما نزل بالمسلمين بموته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و الظلمة التي غشيت المدينة و تغير قلوب الناس و أحوالهم و بعض ما رثي به من الشعر
فبينا هم في ذلك النّور إذ غدا* * * إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محمودا إلى اللّه راجعا* * * يبكيه حقّ المرسلات و يحمد
و أمست بلاد الحرم وحشا بقاعها* * * لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
قفارا سوى معمورة اللّحد ضافها* * * فقيد يبكّيه بلاط و غرقد
و مسجده فالموحشات لفقده* * * خلاء له فيه مقام و مقعد
و بالجمرة الكبرى له ثمّ أوحشت* * * ديار و عرصات و ربع و مولد
فبكّي رسول اللّه يا عين عبرة* * * و لا أعرفنك الدّهر دمعك يجمد
و ما لك لا تبكين ذا النّعمة الّتي* * * على النّاس منها سابغ يتغمّد
فجودي عليه بالدّموع و أعولي* * * لفقد الّذي لا مثله الدّهر يوجد
و ما فقد الماضون مثل محمّد* * * و لا مثله حتّى القيامة يفقد
أعفّ و أوفى ذمّة بعد ذمّة* * * و أقرب منه نائلا لا ينكّد
و أبذل منه للطّريف و تالد* * * إذا ضنّ معطاء بما كان يتلد
و أكرم صيتا في البيوت إذا انتمى* * * و أكرم جدّا أبطحيّا يسوّد
و أمنع ذروات و أثبت في العلا* * * دعائم عزّ شاهقات تشيّد
و أثبت فرعا في الفروع و منبتا* * * و عودا غذاه المزن فالعود أغيد
ربّاه وليدا فاستتمّ تمامه* * * على أكرم الخيرات ربّ ممجّد
تناهت وصاة المسّلمين بكفّه* * * فلا العلم محبوس و لا الرّأي يفند
أقول و لا يلقى لقولي عائب* * * من النّاس إلّا عازب العقل مبعد
و ليس هواي نازعا عن ثنائه* * * لعلّي به في جنّة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجوا بذاك جواره* * * و في نيل ذاك اليوم أسعى و أجهد
و قال حسان بن ثابت أيضا [يبكي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)]:
ما بال عينك لا تنام كأنّما* * * كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعا على المهديّ أصبح ثاويا* * * يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
وجهي يقيك التّرب لهفي ليتني* * * غيّبت قبلك في بقيع الغرقد
بأبي و أمّي من شهدتّ وفاته* * * في يوم الاثنين النّبيّ المهتدي