سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٦ - الباب السابع و العشرون في عظم المصيبة و ما نزل بالمسلمين بموته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و الظلمة التي غشيت المدينة و تغير قلوب الناس و أحوالهم و بعض ما رثي به من الشعر
و روى أبو الربيع بهذا اليوم- يعني يوم الاثنين- كم خير لست فيه إلى أهل الأرض و أي مصيبة نزلت فيه عشية ضاق عنها منفسح الطول و العرض:
و هل عدلت يوما رزيئة هالك* * * رزيئة يوم مات فيه محمّد
فيا لها و اللّه مصيبة أحرقت الأكباد* * * و غمرت بالأسف و الحزن الأبناء و الآباء
وزرا ثقيلا إلى كاهل الإيمان منه ما أباد* * * و خطبا جليلا أودى بكلّ جميل أو كاد
و أنشد بعض الأنصار عند موته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-:
فالصّبر يحمد في المصائب كلّها* * * إلّا عليك فإنّه مذموم
و لو لا أن اللّه سبحانه و تعالى ربط على القلوب من بعده بأمر من عنده لأورث مكانها كمدا، و لما وجدت إلى البقاء مستلفا و لا عن وحي الغناء ملتحدا.
و قال أبو الفتح:
فيا له من خطب جلّ على الخطوب* * * و مصاب دمع العين كيف يصوب؟
و رزّء عزيت له النّيران* * * و لا تعلّل شروقها و الغروب
و جادت هجمة الموت فلا نجا* * * منها هارب و لا فرار منه لمطلوب
و لا صباح له فتجلو غياهبه الملمة و دياجيه المدلهمة، و لكل ليل إذا رجى صباح يؤوب، و من شر أهل الأرض ثم بكى أنس، بكى بعيون سرفها و قلوب فإنا للّه و إنا إليه راجعون.
من نار حنت عليه الأضالع* * * و لا تخبو و لا تخمد
و مصيبة تستكّ منها المسامع* * * فلا يبكّي على مرّ الجديد من حزنها المجدّد
و هل عدلت يوما رزيئة هالك* * * رزيئة يوم مات فيه محمّد
و ما فقد الماضون مثل محمّد* * * و لا مثله حتّى القيامة يفقد
و قال أبو بكر الصديق- رضي اللّه تعالى عنه- فيما ذكره ابن سعد يرثيه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-:
أجدّك ما لعينك لا تنام* * * كأنّ جفونها فيها كلام
بوقع مصيبة عظمت و جلّت* * * فدمع العين أهونه انسجام
فجعنا بالنّبيّ، و كان فينا* * * مقدّمنا، و سيدنا الإمام
و كان قوامنا، و الرأس فينا* * * فنحن اليوم ليس لنا قوام
ننوح و نشتكي ما قد لقينا* * * و يشكو فقده البلد الحرام
كأنّ أنوفنا لاقين جدعا* * * لفقد محمّد، فيها اصطلام