سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٥ - الباب العاشر في مدة مرضه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و استخلافه أبا بكر في الصلاة بالناس
و في لفظ: لم يستطع أن يصلّي بالناس فعاودته مثل مقالتي فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» فقلت لحفصة: قولي له: إنّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصلّ بالناس ففعلت حفصة فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: «إنّكنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس»، قالت عائشة- رضي اللّه تعالى عنها-: لقد عاودت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في ذلك، و ما حملني على معاودته إلا أن يتشائم النّاس بأبي بكر.
- و في لفظ- و اللّه ما أقول ذلك إلا أني كنت أحب أن يصرف الله ذلك عن أبي بكر، و عرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا، و أن الناس يتشاءمون به في كل حدث كان، فكنت أحبّ أن يصرف ذلك عن أبي بكر.
- و في لفظ- علمت أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشائم الناس به، فأحببت أن يعدل ذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- عن أبي بكر إلى غيره فأرسل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، و كان أبو بكر رجلا رقيقا، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه من البكاء فقال: يا عمر صلّ بالنّاس قال: أنت أحقّ بذلك فصلى بهم تلك الأيام ثم إن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- وجد خفّة فخرج يهادي بين رجلين، أحدهما العباس لصلاة الظّهر كأنّي أنظر إلى رجليه يخطان الأرض من الوجع، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا يتأخر و أمرهما فأجلساه إلى جنب أبي بكر عن يساره فأخذ النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من حيث الآية التي انتهى أبو بكر إليها فقرأ، فجعل أبو بكر يصلي قائما و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يصلي قاعدا، و في رواية: فكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول اللّه و الناس يصلون بصلاة أبي بكر.
و روى ابن إسحاق و ابن سعد و البلاذري عن عبيد الله بن أبي مليكة عن عبيد بن عمير، أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لما فرغ من الصلاة يوم صلى قاعدا عن يمين أبي بكر قال: و أقبل عليهم فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد: يا أيّها الناس سعّرت النار و أقبلت الفتن كقطع اللّيل المظلم و إنّي و الله لا يمسك الناس عليّ بشيء إني لم أحلّ إلّا ما أحلّ القرآن و لم أحرّم إلّا ما حرّم القرآن يا فاطمة بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يا صفية عمّة محمد اعملا لها عند الله فإني لم أغن عنكما من اللّه شيئا، فلما فرغ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من كلامه قال أبو بكر: يا رسول اللّه إنّي أراك قد أصبحت بنعمة من الله و فضل كما تحب و اليوم يوم بنت خارجة فأتها قال: نعم ثم دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و خرج أبو بكر إلى أهله بالسّنح.
و روى الإمام أحمد و النسائي و البيهقي و الترمذي و صححه عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: صلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- خلف أبي بكر قاعدا في مرضه الذي مات فيه».