المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١٢ - و من الحوادث في زمان يعقوب
بأن اللَّه تعالى حرّم الزنا و لا يلتفت إلى ما يروى في التواريخ و التفاسير من أنه رأى يعقوب عاضا على يده فإن مرتبة يوسف كانت أعلى من هذا. و قد شرحنا هذا في التفسير.
و الشاهد الّذي [شهد] [١] كان طفلا صغيرا تكلم هكذا.
قال علماء السير: فَلَمَّا رَأى زوج المرأة قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ، قال لزوجته إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَ، ثم قال ليوسف: أَعْرِضْ عَنْ هذا، أي لا تذكره لأحد وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ [٢]. فشاع الحديث، و جعل النسوة يقلن: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ [٣]، فلما سمعت بذلك أعدت لهن طعاما و ما يتكئن عليه من الوسائد، وَ آتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً [٤] لقطع الأترج، ثم قالت ليوسف: اخرج، فخرج عليهنّ فقطعن أيديهن بالسكاكين، و هنّ يحسبن أنهن يقطعن الأترج، فقالت لهن:
فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَ فاستغاث يوسف بربه عز و جل، و قال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَ [٥] قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني بين الناس يعتذر إلى الناس، و لا يطيق أن اعتذر، فإما أن تأذن لي فأعتذر، و إما أن تحبسه فحبسه، فأدخل معه السجن فتيان من فتيان الملك، و كان أحدهما صاحب طعامه فبلغه أنه يريد أن يسمه فحبسه و حبس صاحب شرابه ظنا أنه مالأه على ذلك، و كان يوسف قد قال في السجن: اني أعبر الرؤيا، فسألاه عن مناميهما المذكورين في القرآن، و قد قيل: إنهما لم يريا شيئا و إنما جرّبا عليه فدعاهما إلى التوحيد أولا بقوله أرباب متفرقون.
ثم فسر مناميهما، فقالا: ما رأينا شيئا، فقال: قُضِيَ الْأَمْرُ [٦] ثم قال للذي ظن أنه ناج منهما: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [٧]. و أخبره أنه محبوس ظلما. فأوحى إليه: يا
[١] ما بين المعقوفتين: من الهامش.
[٢] سورة: يوسف، الآية: ٢٨، ٢٩.
[٣] سورة: يوسف، الآية: ٣٠.
[٤] سورة: يوسف، الآية: ٣١.
[٥] سورة: يوسف، الآية: ٣٢.
[٦] سورة: يوسف، الآية: ٤١.
[٧] سورة: يوسف، الآية: ٤٢.