المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٢٧ - ذكر نبذ من أحوال الإسكندر
تعملون إذا ملكتم، فكل واحد بذل من نفسه شيئا، فقال الإسكندر: أعمل حسب ما يوجبه الوقت، و يقتضيه العقل، فقال له: أنت أحرى بالرئاسة و الملك.
فلما ملك الإسكندر كان أرسطاطاليس له كالوزير يكاتبه و يعمل برأيه، فكتب إليه:
إن في عسكري جماعة لا آمنهم على نفسي لبعد هممهم و شجاعتهم، و لا أرى لهم عقولا تفي بتلك الفضائل.
فكتب إليه: أما ما ذكرت من بعد هممهم، فإن الوفاء من بعد الهمة. و أما شجاعتهم و نقص عقولهم فمن هذه حاله فرفّهه في معيشته، و أخصصه بحسان النساء، فإن رفاهية العيش توهي العزم، و تحبب السلامة، و ليكن خلقك حسنا تخلص لك النيات، و لا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوساط رعيتك مثله، فليس مع الاستئثار محبة، و لا مع المواساة بغضة.
و اعلم أن المملوك إذا اشتري لا يسأل عن مال سيده، و إنما يسأل عن خلقه.
و هذا أرسطاطاليس كان من كبار الحكماء، قال يوما أفلاطون لأصحابه: ما العجب؟ فتكلموا، فقال أرسطاطاليس: ما ظهر و خفيت علته، قال: أنت أفضل الجماعة.
و كان أرسطاطاليس يقول: لكل شيء صناعة و صناعة العقل حسن الاختيار.
و قال: اعص الهوى و أطع من شئت.
و قيل له: أ لا تجتمع الحكمة و المال؟ فقال: آخر الكمال.
و كتب إلى بعض ملوك يونان و كان مستهترا باللعب: إذا علمت الرعايا تسليط الهوى على الملك تسلطت عليه، فاقهر هواك تفضل حكمتك، و السلام.
فكتب الملك: أيها الحكيم إذا كانت بلادنا عامرة، و سبلنا آمنة، و عمالنا عادلة، فلم تمنع لذة عاجلة.
فكتب إليه: إنما تمهدت الأمور على ما ذكرت بيقظتك بالحكمة دون غفلتك باللذة، فما أخوفني أن تهدم ما بنته الحكمة ما جنته الغفلة. فأقبل الملك على السياسة.