المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٢٦ - ذكر نبذ من أحوال الإسكندر
أن قتلتني لم تحظ بطائل، و لم يكن سببا لأخذ مملكة الصين، و لم يمنعهم قتلي أن ينصبوا لأنفسهم ملكا، ثم تنسب أنت إلى غير الجميل و صيد الحريم.
فأطرق الإسكندر و علم أنه رجل عاقل، فقال: الّذي أريد منك ارتفاع مملكتك لثلاث سنين عاجلا، و نصف ارتفاع مملكتك في كل سنة، فقال: هل غير ذلك شيء؟
قال: لا، قال: قد أجبتك، قال: كيف يكون حالك حينئذ؟ قال: أكون قتيلا و أكلة كل مفترس. قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنتين كيف يكون حالك؟ قال: أصلح مما كانت، قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنة، قال: يكون ذلك كمالا لأمر ملكي و مذهبا جميع/ أذاني قال: فإذا اقتصرت منك على النصف من ارتفاع السنة، قال: يكون الملك ثابتا و أسبابه مستقيمة، قال: فإذا اقتصرت منك على ارتفاع الثلث؟ قال: يكون السدس وقفا، و يكون الباقي لجيشي و أسباب الملك. قال: فقد اقتصرت منك على هذا، فشكره و انصرف.
فلما طلعت الشمس أقبل جيش الصين حتى طبق الأرض و أحاط بجيش الإسكندر حتى خافوا الهلاك، فتواثب أصحابه فركبوا الخيل و استعدوا للحرب.
فبينما هم كذلك إذ طلع و عليه التاج فلما رأى الإسكندر ترجل له، فقال له الإسكندر: غدرت، قال: لا و اللَّه، قال: فما هذا الجيش؟ قال: أردت أن أريك أنني لم أطعك عن قلة و ضعف، و أنت ترى الجيش و ما غاب عنك أكثره، و لكن رأيت العالم الكبير مقبلا فملكنا لك ممن هو أقوى منك و أكثر من عددك، و من حارب العالم الكبير غلب، و أردت طاعته بطاعتك، و الذلة بأمره بالذلة لك.
فقال الإسكندر: ليس مثلك من يؤخذ منه خراج، فما رأيت بيني و بينك أحدا يستحق الفضل و الوصف بالعدل غيرك، فقد أعفيتك من جميع ما أردته منك، و أنا منصرف عنك.
فقال له ملك الصين: أما إذا فعلت ذلك فليس بحسن. ثم انصرف الإسكندر فبعث إليه ملك الصين هدايا أضعاف ما كان قرر معه.
و كان أرسطاطاليس مؤدب الإسكندر في صغره، فقال له و لصبيان معه: أي شيء