المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٠٤ - ذكر قصة أرمياء
و يرجعون، فطولت عليهم و صفحت عنهم، فأكثرت و مددت لهم في العمر و أعذرت لعلهم يتذكرون، و كل ذلك أمطر عليهم السماء، و أنبت لهم الأرض، و ألبسهم العافية، و أظهرهم على العدو، فلا يزدادون إلا طغيانا و بعدا مني. فحتى متى، أبي يتمرسون، أم إياي يخادعون، أم علي يتجرءون، فإنّي أقسم بعزتي لأقيمن لهم فتنة يتحيّر فيها الحكيم، و يضل فيها رأي ذو الرأي، و حكمة الحكيم، ثم لأسلّطنّ عليهم جبارا قاسيا عاتيا، ألبسه الهيبة، و أنزع من صدره الرحمة و البيان، يتبعه عد و سواد مثل الليل المظلم [١]، له فيه عساكر مثل قطع السحاب، و مراكب مثل العجاج، كأن حفيف راياته طيران النسور، و حجل فرسانه كصوت العقبان [٢]، يعيدون العمران خرابا، و القرى وحشا، و يبعثون في الأرض فسادا، و يتبرون ما علوا تتبيرا، قاسية قلوبهم لا يكترثون و لا يرقون و لا يرحمون، يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل زئير الأسد تقشعر من هيبتها الجلود. فو عزتي لأعطلن بيوتهم من كتبي و قدسي و لأخلين مجالسهم من حديثها و دروسها، و لأوحشن مساجدهم من عمارها و زوارها الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري، و يتعبدون فيها لكسب الدنيا بالدين، و يتفقهون فيها لغير الدين، و يتعلمون فيها لغير العمل. لأبدلن ملوكها بالعز الذل، و بالأمن الخوف، و بالغنى الفقر، و بالنعمة الجوع، و بطول العافية و الرخاء ألوان البلاء، و بلباس الحرير مدارع الوبر، و العباء بالأرواح الطيبة و الأدهان جيف القتلى، و بلباس التيجان أطواق الحديد و السلاسل و الأغلال.
ثم لأعيدن فيهم بعد القصور الواسعة و الحصون الحصينة الخراب، و بعد البروج المشيدة مساكن السباع، و بعد صهيل الخيل عواء الذئاب، و بعد ضوء السراج دخان الحريق، و بعد الأنس الوحشة و القفار.
ثم لأبدلن نساءها بالأسورة الأغلال، و بقلائد الدر و الياقوت سلاسل الحديد، و بألوان الطيب و الأدهان النقع و الغبار، و بالمشي على الزرابي عبور الأسواق و الأنهار، و بالخدور و الستور الحسور عن الوجوه و السوق و الأسفار.
[١] في تاريخ الطبري ١/ ٥٥٠ يتبعه عدد الليل المظلم.
[٢] الخبر إلى هنا في تاريخ الطبري.