المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٠٣ - ذكر قصة أرمياء
أمري، و حدّدت عليها حدودا فلا تعدو حدي، و إني معك و لن يصل إليك شيء معي، و إني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلّغهم رسالاتي، مستوجبا بذلك أجر من اتبعك منهم، و لا ينقص من أجورهم شيء، انطلق إلى قومك فقم فيهم و قل لهم إن اللَّه تبارك و تعالى ذكركم بصلاح آبائكم، فلذلك استقاكم يا معشر أبناء الأنبياء و نسلهم، كيف وجد آباؤهم مغبة طاعتي، و كيف وجدوا هم مغبة معصيتي، و هل وجدوا أحدا عصاني فسعد بمعصيتي، و هل علموا أحدا طاعني فشقي بطاعتي، إن الدواب إذا ذكرت أوطانها/ الصالحة نزعت إليها، و ان هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة و تركوا الأمر الّذي به أكرمت آباءهم، و ابتغوا الكرامة من غير وجهها. أما أحبارهم و رهبانهم فاتخذوا عبادتي خولا يتعبدونهم [دوني] [١]، و يحكمون فيهم بغير كتابي، حتى أنسوهم ذكري، و [غيروا] [٢] سنني، فأدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعونهم في معصيتي. و أما ملوكهم و أمراؤهم فبطروا نعمتي، و أمنوا مكري، و غرتهم الدنيا حتى نبذوا كتابي، و يفترون على رسلي جرأة منهم عليّ و غرّة بي. فسبحان جلالي، و علو مكاني، و عظمة شأني! و هل ينبغي لي أن يكون لي شريك في ملكي؟ و هل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي؟ و هل ينبغي لي أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني، و آذن بطاعة لأحد لا تنبغي لأحد إلا لي.
و أما قرّاؤهم و فقهاؤهم فيدرسون ما يتخيرون، فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، و يطيعونهم في معصيتي، و يوفون بعهودهم الناقضة لعهدي.
و أما أولاد النبيين فمقهورون و مفتونون، يخوضون مع الخائضين، فيتمنون على مثل نصري آباءهم، و الكرامة التي أكرمتهم بها، و يزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم [مني] [٣] بغير صدق منهم، و لا تفكر، و لا يذكرون كيف كان نصر آبائهم، و كيف كان جهدهم في أمري، حين اغتر المغترون، و كيف بذلوا أنفسهم و دماءهم، فصبروا و صدقوا حتى عزّ أمري، و ظهر ديني، فتأنّيت بهؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني
[١] ما بين المعقوفتين: من تاريخ الطبري ١/ ٥٤٩.
[٢] ما بين المعقوفتين: من تاريخ الطبري ١/ ٥٤٩.
[٣] ما بين المعقوفتين: من تاريخ الطبري ١/ ٥٤٩.