نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦ - القسم الثالث عشر الانقطاع إلى اللَّه
من الطاعة إلى المعصية أي أنّ طول الزمان لم يرهقها قط ولم يبعدها عن طاعة الحق سبحانه وتعالى- وقال عليه السلام في العبارة الثالثة أن سهام الشك لم تستطع أن ترم عزم إيمانهم:
«ولم ترم الشكوك بنوازعها [١] عزيمة ايمانهم»
ثم قال عليه السلام في العبارة الرابعة
«ولم تعترك [٢] الظنون
على معاقد يقينهم»
كما أشار عليه السلام إلى عدم وجود العوامل التي تدعوا إلى إثارة نيران الحقد والعداء والضغينة لديهم (لكي يجد الضعف من سبيل إلى وظائفهم- وعليه فالملائكة تعمل مع بعضها البعض الآخر بكل تنسيق وانسجام دون اختلاف في القيام بالوظائف الإلهية)
«ولا قدحت قادحة الإحن [٣] فيما بينهم»،
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه في أنّ الحيرة لم تسلبهم مالديهم من معرفة وانطوت عليه صدورهم من هيبة للَّهوعظمة:
«ولاسلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم، وما سكن عن عظمته وهيبة جلالته في أثناء صدورهم»
يمكن أن يكون المراد بالعبارة أن إيمان الملائكة ومعرفتها باللَّه وصفات جماله وجلاله على قدر من القوة بحيث لاتختزن أيه أوهام وحيرة يمكنها إختراق تلك المعرفة أو الحد منها؛ والحال ليس الأمر كذلك لدى الإنسان، فقد يصطدم بعض المؤمنين ببعض الاوضاع التي تؤدي إلى ذهولهم وحيرتهم وزعزعة دعائم إيمانهم. كما يحتمل أن يكون المراد بالحيرة هو عدم بلوغ كنه ذاته وصفاته، إلّاأنّها لا تصدهم عن ذلك الإدراك الإجمالي للذات والصفات فيضطر وعلى غرار بعض الناس وبفعل عدم إدراك كنه الذات إلى تعطيل صفاته. ثم قال في الصفة الأخيرة:
«ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع [٤] برينها [٥] على فكرهم»
، فالذي يستفاد من مجموع هذه الصفات هو عدم تسلل أدنى خطا وشك وترديد وفتور وتقصير إلى أعمال أمناء الوحي من الملائكة، وهم جاهدون في ابلاغها إلى الأنبياء والرسل. وضمنا فانّ هذا الكلام الشريف رسالة إلى جميع الأفراد- ولاسيما دعاة الإسلام والكتاب- إلى مراعاة الدقة والامانة والإيمان والتسامي والابتعاد عن كافة ألوان الوساوس وأمراض الحقد والبغضاء والعداء و الحسد والشك والترديد في ابلاغ دعوة الأنبياء ورسالتهم بالشكل الصحيح.
[١] «نوازع» جمع «نازعة» من مادة «نزع» على وزن وضع بمعنى سحبه أو رفعه من مكانه.
و في العبارة اعلاه، تطلق على السهم عند ما يراد اطلاقه من القوس في حالة سحب وتر الاطلاق إلى الخلف.
[٢] «تعترك» من مادة «عرك» الازدحام.
[٣] «إحن» جمع «إحنة» بمعنى الحسد والكره.
[٤] «تقترع» من مادة «قرع» بمعنى الضرب.
[٥] «الرين» بفتح الراء الدنس وما يطبع على القلب من حجب الجهالة.