نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٤ - القسم الثالث العمل بالتكليف
الصلح والسلام، وتارة الراحة والأمان واخرى التعب والبلاء. والأصدقاء الأوفياء والاخوة الثقاة لايعرفون عند الراحة والاستقرار، وميدان معرفتهم إنّما يكمن في الصعوبات والمعضلات والنزاعات والبلايا والأحداث الأليمة، وممّا يؤسف له أهل الكوفة لم ينجحوا آنذاك في الامتحان، وقد كشفوا مراراً عن غدرهم وضعفهم وعدم صمودهم وثباتهم.
ومن هنا دعا عليهم الإمام عليه السلام في العبارات القادمة، ثم اختتم كلامه يتشبيهين رائعين لاوضاعهم النفسية فقال:
«تربت [١] أيديكم»
، ثم اتبعها بالقول:
«يا أشباه الابل غاب عنها
رعاتها».
فالتشبيه تعبير واضح عن جهل القوم وعدم انضباطهم. فقد شبههم في البداية بالحيوانات ومن ثم بعدم وجود الراعي النافذ الكلام.
ثم قال عليه السلام بعد أن أقسم أنّهم لو حمي الوطيس ونشبت الحرب لتركوا الإمام عليه السلام وحده في الساحة وانفرجوا عنه انفراج المرأة عن وليدها حين وضعها لحملها:
«والله لكأني بكم فيما إخالكم: أن لو حمس [٢] الوغى [٣]، وحمي [٤] الضراب، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج
المرأة عن قبلها».
هذا وقد ذكرت عدة تفاسيرللعبارة
«انفرجتم ...»
إلّاأن ما أوردناه سابقا هو الأنسب لمقام أميرالمؤمنين علي عليه السلام إلى جانب رعاية الفصاحة والتناسب في مقام التشبيه. فالمرأة حين الوضع ترجو أن تضع حملها كل لحظة لما تعانيه من الام وأوجاع، والإمام عليه السلام شبه أهل الكوفة بهذه المرأة التي تعد اللحظات أملا في وضع الحمل، فكانوا يعيشون حالة من الجزع في ميدان القتال بحيث ينتظرون بفارغ الصبر الفرصة المؤاتية للهروب من ساحة المعركة، وهو الهروب الذي لاعودة فيه، كالوليد الذي ينسلخ عن رحم أمه فلا يعود إليه. وللإمام عليه السلام تشبيه رائع
[١] «تربت» من مادة «تراب»، تستعمل في الخسارة والفقر، وكأنّ الفقير قد صرع وخالط التراب يده.
[٢] «حمس» بالفتح من مادة «حمس» على وزن قفص بمعنى الشدة و «الحماسة» و «التحمس» يعني التشديدولا سيما في المعركة.
[٣] «وغى» يعني في الأصل اصوات المقاتلين في المعركة، كما تطلق على نفس المعركة، وقد وردت عنا بهذا المعنى.
[٤] «حمى» من مادة «حمى» على وزن سعي شدة الحرارة، و «الضراب» بمعنى الاشتياك والمناوشة والقتال.