نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٨ - القسم الثامن عشر ظهور الجبال والعيون
ما ظهر على الأرض الجبال ثم تبعتها العيون؛ الأمر الذي أيدته أبحاث علم طبقات الأرض حيث تشققت القشرة الأرضية في البداية إثر البرودة، فكان في تلك الشقوق حفر عظيمة استوعبت الماء النازل من السماء ثم جرى بشكل عيون و ينابيع. والعبارة
«عرانين أنوفها»
التي تعني ما صلب من عظم الانف، هى كناية رائعة عن قمم الجبال، بل أن تشبيه نتوءات الجبال بالانف تشبيه رائع يدل على أنّ جوف الجبل ليس مملوءاً، بل فيها المزيد من الأجزاء الخالية بحيث تبدوا أحياناً للعيان على هيئة غيران وكهوف ومصادر لادخار المياه.
ثم اشار عليه السلام إلى سكون الأرض والسيطرة على حركتها بالجبال، فقال:
«وعدل حركاتها بالراسيات [١] من جلاميدها [٢] وذوات الشناخيب [٣] الشمّ [٤] من صياخيدها [٥]».
وهكذا سكنت حركات الأرض بفعل نفوذ الجبال في سطحها ورسوخها في الأعماق واستقرارها على الفلاة فحالت دون اضطرابها:
«فسكنت من الميدان [٦] لرسوب الجبال في
قطع أديمها [٧] وتغلغها [٨] متسربة [٩] في جوبات [١٠] خياشيمها [١١]، وركوبها أعناق سهول
الأرضين وجراثيمها [١٢]».
والحق أنّ ما أورده الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة هو ذات ما أثبته العلم الطبيعى؛ الأمر الّذى أشار إليه القرآن الكريم في أنّ الجبال بمثابة مسامير الأرض:
«وَالجِبالَ
[١] «الراسيات» جمع «راسية» بمعنى الثقيل والمحكم.
[٢] «جلاميد» جمع «جلمود» الحجر الصلد.
[٣] «شناخيب» جمع «شنخوب» رأس الجبل.
[٤] «الشم» جمع «أشم» بمعنى العالي والمرتفع.
[٥] «صياخيد» جمع «صيخود» على وزن محمود الصخرة الشديدة.
[٦] «ميدان» بالتحريك الاضطراب.
[٧] «أديم» يعنى في الأصل الجلد المدبوغ ثم اطلق على سطح الأرض.
[٨] «تغلغل» المبالغة في الدخول.
[٩] «متسربة» من مادة «تسرب» الدخول خفية.
[١٠] «جوبات» «جوبة» على وزن توبة الحفرة.
[١١] «خياشيم» جمع «خيشوم» على وزن زيتون وهو منفذ الأنف إلى الرأس.
[١٢] «جراثيم» جمع «جرثومة» المراد هنا ما سفل عن السطوح من الطبقات الترابية.