نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣ - القسم الخامس عشر خصائص الملائكة
في مسيرتها من اللَّه تكشفت لها حقائق جديدة عن عظمته المطلقة، فيروا فيه ملامح جديدة من صفات الجمال والجلال. من هنا يزدادون له خضوعاً وخشوعاً وتواضعاً كل يوم، فلا يبقى أمامهم من مجال للاعجاب بالحسنات وإكبارها، بل يرون أنفسهم مقصرين على الداوم تجاهه. ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه باماطة اللثام عن هذه الحقيقة وهى عدم كلل الملائكة عن عبادته، وليس للفتور من سبيل إليها، كما ليس هناك ما يصدها عن مواصلة مسيرتها العبادية، بل هى دؤوبة على العبادة بدافع من عشقها وإرادتها وعزمها، على غرار الإنسان الذي لايكل عن استنشاق الهواء الطلق طيلة عمره وإن امتد لالاف السنين. ثم تناول الإمام عليه السلام هذه المسألة من مختلف الجوانب بثمان عبارات. فقال فيالعبارة الاولى:
«ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤبهم» [١]
كما قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز واصفاً الملائكة:
«يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ» [٢] ثم قال عليه السلام في العبارة الثانية:
«ولم تغض [٣]
رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربّهم»
، وذلك لأنّ عشقهم للكمال دائمي لايتوقف، وعلمهم متزايد بربهم- وبناءاً على هذا فليس هنالك ما يدعو إلى غفلتهم عن العبادة، أو يقلل من أملهم. وقال في العبارة الثالثة أن طول مناجاتهم لم تجف ألسنتهم وتعجزها عن العبادة:
«ولم تجف لطول المناجاة أسلات [٤] ألسنتهم»
، طبعاً ليس هنالك لساناً وفما للملائكة كما لدينا، بحيث تقل رطوبته بفعل كثرة الذكر والمناجاة فيصيبه الجفاف واليبس، بل العبارة كناية لطيفة عن عدم ضعفهم وفتورهم في تسبيحهم وتضرعهم للَّهسبحانه وتعالى، ثم قال عليه السلام في العبارة الرابعة:
«ولاملكتهم الاشغال فتنقطع بهمس [٥] الجؤار [٦]، إليه أصواتهم»
، فالواقع ليس لهؤلاء من عمل سوى العبادة والطاعة والعبودية، وهذه الامور جزء لايجتزأ من ذواتهم ووجودهم وإيمانهم. وليس لهذه الامور أن تخلق أي تعب أو ملل، كالقلب المعافى الذي لايشعر بالتعب ولو عمل لسنين، وقال عليه السلام في العبارة الخامسة:
«ولم تختلف في مقاوم [٧] الطاعة
[١] «دؤوب» مصدر بمعنى الدوام والاستمرار والسعي والجهد إلى حد التعب والارهاق.
[٢] سورة الأنبياء/ ٢٠.
[٣] «تغض» من مادة «غيض» بمعنى تنقص و تقل. و أشارت في العبارة إلى عدم قلة رغبة الملائكة بطاعة اللَّه و عبادته.
[٤] «أسلات» جمع «أسله» بمعنى طرف اللسان، وتطلق على من لايكل عن الذكر ولايجف لسانه.
[٥] «همس» على وزن لمس، الخفي من الصوت.
[٦] «جؤار»، الصوت المرتفع، وقد ورد في العبارة بمعنى رفع صوت الملائكة بالتضرع وعدم الكف عن المناجاة.
[٧] «مقاوم»، قال شرّاح نهج البلاغة مقاوم جمع مقام بمعنى الصفوف وإن لم تعشر على مثل هذا الجمع ٢ في المصادر اللغوية.