نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٤ - القسم الرابع سكرات الموت
تلك الحقيقة:
«اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت».
فالواقع هناك هجوم ثقيل على الإنسان وهو على أعتاب الموت: الأول هجوم سكرات الموت، وهو حالة تشبه السكر تحدث للإنسان حين يحل أجله، وقد تستولي أحياناً على عقله فتجعله يعيش حالة من الاضطراب والقلق العظيم.
والآخر حسرة فقد ان كل شيء كان قد أجهد نفسه عمراً طويلًا من أجل الحصول عليه وعانى في سبيله الأمرين.
وهى امور تعلق وشغف بها وكأنّها أصبحت جزءاً من وجوده وكيانه، وإذا به يرى الآن أنّه يودعها إلى غير رجعة، وهذا ما يضاعف من قلقه واضطرابه ثم خاض عليه السلام في شرح تفاصيل تلك السكرات، حيث تضعف حينها الأعضاء والجسد بعد أن يتغير لونها، ثم يدب فيها الموت بالتدريج، فيفصلها عن اللسان، والحال هو جالس بين أهله يراهم بعينه ويسمع كلامهم باذنه، وهو على سلامة من عقله:
«ففترت لها أطرافهم، وتغيرت لها أطرافهم، ثم ازداد الموت فيهم ولوجاً، فحيل بين أحدهم وبين منطقه، وإنّه لبين أهله ينظر ببصره، ويسمع باذنه، على صحة من عقله، وبقاء من لبه».
فالذي يستفاد من هذه العبارات أنّ أول ما يتوقف عن العمل هو لسان الإنسان. اللسان الذي يعدّ أكبر سند للإنسان من أجل حل مشاكله، ويالها من حسرة وفاجعة أن يرى الإنسان بعينه ويسمع باذنه وهو على سلامة من عقله ولبه، لكنه لا يستطيع أن ينبس ببنت شفة فيلهج بما يريد. ذكر أحد شراح نهجالبلاغة هنا مثالا من التوراة عن الموت حيث شبهته بالشجرة ذات الأشواك التي تغوص في جميع البدن، و يغرس كل شوكة في عصب من عصبه فتمزقها جميعاً و تقضي عليه.
ثم واصل عليه السلام كلامه بشأن من هجم عليه سكرة الموت في أنّه فاق من غفلته واستغرق في التفكير فهو يفكر فيم أقضى عمره وذهب به أدراج الرياح وكيف أفنى دهره:
«يفكر فيم أفنى عمره، وفيم أذهب دهره».
يتذكر هنا الأموال والثروات التي جمعها وقد أغمض عينيه عن الكيفية التي جمعت بها