نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٥ - القسم الثالث عالم الآخرة
القسم الثالث: عالم الآخرة
«سُبْحَانَكَ خِالِقاً" وَمَعْبُوداً! بِحُسْنِ بَلَائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ. خَلَقْتَ دَاراً، وَجَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً: مَشْرَباً وَمَطْعَماً، وَأَزْوَاجاً وَخَدَماً، وَقُصُوراً، وَأَنْهَاراً، وَزُرُوعاً، وَثِمَاراً؛ ثُمَّ أرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو الَيْهَا، فَلا الدَّاعِيَ أَجَابُوا، وَلَا فِيَما رَغَّبْتَ رَغِبُوا، وَلَا إِلَى مَا شَوَّقْتَ الَيْهِ اشْتَاقُوا. أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدْ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا، وَاصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا، وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ، وَأَماتَتِ الدُّنْيَا قَلْبُه، وَوَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا، وَلِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، حَيْثُما زَالَتْ زَالَ إلَيْهَا، وَحَيْثُما أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا؛ لَا يَنْزَجِرُ مِنَ اللَّهِ بِزَاجِرٍ، وَلَا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ، وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ، حَيْثُ لَا اقَالَةَ وَلَارَجْعَةَ، كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَقِدِمُوا مِنَ الاخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُوَنَ.
فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ».
الشرح والتفسير
تحدث الإمام عليه السلام هنا عن الدار الآخرة وخلق الجنّة وما تضمه من نعم جمة فقال عليه السلام:
«سبحانك خالقاً ومعبوداً! بحسن بلائك عند خلقك»
فقد خلقت تلك الدار العظيمة (الآخرة) وجعلت فيها مختلف النعم من مشارب ومطاعم وأزواج وخدمة وقصور وأنهار