نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥ - تأمّل من هم المجسمة؟
والقدرة واستوى بمعنى السلطة والسيطرة، لا بمعنى الجلوس والاستقرار على الشي، وبالطبع فانّ هذه الكنايات كانت سائدة لدى مختلف الأقوام قبل نزول القرآن وبعده، من قبيل قولهم، ليس له يد على هذا الأمر، وهكذا فإن مفردة الاستواء التي تستعمل بشأن استيلاء سلطان وسيطرته على بلاد.
وناهيك عما سبق فانّ الأدلة العقلية والمنطقية هى الاخرى تنفي بوضوح أية جسمية عن اللَّه؛ لأنّ كل جسم محدود وله زمان ومكان واجزاء، وعليه فهو محتاج من مختلف الجهات، ونعلم أن ليس للحاجة والمحدودية من سبيل إلى ذاته المطلقة سبحانه. والأهم من كل ذلك أنّ كافة الأجسام يعتريها التغيير بل وحتى الزوال، في حين ليس لهذا التغيير والزوال أن يدنس ساحة كبريائه وعظمته.
ورغم كل ما مرّ من أدلة واضحة، فمما يؤسف له- كما أشرنا إلى ذلك سابقاً- فانّ عقيدة الجسمية المنحطة قد طالت جمعاً من جهال المسلمين حتى أوغلوا في الانحراف والضلال، و حسب ما نقله «المحقق الدواني» فان البعض يعتقد بأنّه جسم مركب من لحم ودم تنبعث منه أشعة قضية شفافة وله قامة من سبعة أشبار، كما اعتقد البعض الآخر بانه على هيئة شاب أمرد له شعر مجعد حسب ما ذكره المحقق الدواني بشأن هذه الفئات الضالة.
فقد أورد العلّامة الحلى في كتابه منهاج الكرامة قصة عن بعض المجسمة، لا بأس أن أنقلها.
فقد حكى عن بعض المنقطعين التاركين من شيوخ الحشوية أنّه إجتاز عليه في بعض الأيام نفاط ومعه أمرد حسن الصورة قطط الشعر على الصفات التي يصفون ربّهم بها. فألح بالنظر إليه ليلا وكرره، فتوهم منه النفاط أمراً، فجاء إليه ليلًا وقال له: رأيتك تلح بالنظر إلى هذاالغلاموقد أتيتك به، فان كان لك فيه نية فأنت الحاكم. فرد عليه وقال: إنّمأكررت النظر لأنّ مذهبي: أن اللَّه ينزل على صورة هذا الغلام، فتوهمت أنّه اللَّه. فقال له النفاط: واللَّه ما أنا عليه من النفاطة أجود ممّا أنت عليه من الزهد مع هذه المقالة. [١]
[١] شرح نهج البلاغة للعلّامة التسترى ١/ ٣٣٣