نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٢ - القسم الثالث طبيب سيار
روح واحدة في جسمين وعامة الصفات تصدق عليهما معا؛ غير أنّه لابدّ من الدقة في ارجاع الضمائر إلى أصولها.
على كل حال فقد قال عليه السلام:
«طبيب دوار بطبه، قد أحكم مراهمة [١] وأحمى مواسمه، [٢]
يضع ذلك حيث الحاجة إليه: من قلوب عمي، واذان صم، والسنة بكم، متتبع بدوائه مواضع الغفلة، ومواطن الحيرة».
يا لها من تعبيرات رائعة تشبه النبي صلى الله عليه و آله (أو الإمام) بالطبيب!
لأنّ الأطباء يتولون علاج مرضى الأبدان، وينهمك هو في علاج مرضى الروح والأخلاق الذي يفوق بمراتب مرضى البدن.
حيث أشار إلى ثلاثة منها في العبارة: أولئك الذين تعمى أبصار قلوبهم ويفقدون السمع واستقبال الحق وعجز اللسان عن ذكر الحق بفعل الذنب والمعصية والغفلة واتباع الهوى.
ثم وصفه بأنّه (دوار) في إشارة إلى أنّه ليس على غرار أطباء الابدان الذين يجلسون في عياداتهم وينتظرون مراجعة المريض.
بل يحمل وسائله وعلاجه معه ويتجول بحثاً عن المريض، وهذا هو منهج الأنبياء والأوصياء وروثتهم من العلماء، الذين بنبغي لهم أن يقتدوا بالأنبياء ولايروا أنفسهم كالكعبة وأنّ أفراد الامّة مطالبون بالطواف حولهم، بل عليهم أن يكونوا كالصياد الذي يبحث عن صيده، فيفيضوا علومهم على الناس ويأخذوا بأيديهم إلى الحق.
ثم قال عليه السلام واصفاً ما أورده سابقا من مواضع الغفلة ومواطن الحيرة؛ وأصحابها من أهل الغفلة والحيرة:
«لم يستضيئوا بأضواء الحكمة، ولم يقدحوا [٣] بزناد [٤] العلوم الثاقبة، فهم
[١] مراهم جمع مرهم الدهون التي يداوى بها الجروح.
[٢] «مواسم» جمع «ميسم» بمعنى الآلات التي يوسم بها بدن الانسان أو الحيوان بعد أن يحمى عليها. و «وسم» على وزن رسم، و يطلق على العلامة التي تظهر على جسم الحيوان أو الانسان بعد وسمه بالآلات الحارة.
[٣] «يقدحوا» من مادة «قدح» على وزن «مدح» بمعنى إضرام النار بواسطة القداحة «وهى الآلة التي تحتويعلى حجر خاص يستعمل في قديم الزمان، حيث يقدح عليه فيولد ناراً، و كانوا يستفيدون منه كما نستفيد في الوقت الحاضر من الشخاط الحاوي على الكبريت».
[٤] «زناد» جمع «زند» وهى آلات تستخدم لتوليد شرارة لغرض اضرام النار و اشعالها في الوقود، كالخشب والفحم و الحطب، و قد اعتاد العرب فى القديم على الاستفادة من هذه الوسيلة لاشعال النار في الوقود.