نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٩ - تأمّل في الاعتبار
وكأنا بمعزل عن تلك المكاره وأنا مخلدون في هذه الدنيا. ولو كانت هناك بصيرة حقا فإن كل شيء في الأرض يشتمل على عبرة تدعونا للإعتبار.
جاء في الأخبار أن هارون الرشيد كتب رسالة إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام طلب فيها أن يعظه قائلًا
«عظني وأوجز»
(طبعا من المستبعد أن يكون مثل هؤلاء الأفراد صادقين وأنّهم يطلبون النصح والوعظ والارشاد؛ لأنّ هذه الامور إنّما تكون عادة جزءاً من مخططاتهم السياسية، ليوحوا للآخرين أنا من اهل الوعظ الذي نسأله من ابن رسولاللَّه).
فأجابه عليه السلام:
«ما من شيء تراه عينك ألّاوفيه موعظة» [١].
نعم فالأرض والسماء والكائنات والاشجار والحوادث وأنين المرضى ومشيب الشعر وانحناء الظهر والمقابر والقصور الخاوية للملوك، كلها تغص بالدروس والعبر فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام اراد أن يقول له لوكان لك عين باصرة لاعتبرت.
فقصور الملوك مملوءة بالعبر، ولكن لايعتبر بها سوى من له آذانا صاغية.
و كفى بالقرآن واعظا بهذا الشأن: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ* وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ* كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ* فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ». [٢]
[١] سفينة البحار- مادة وعظ.
[٢] سورة الدخان/ ٢٥- ٢٩.