نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٤ - القسم الثالث دروس الدنيا وعبرها
خاطب بها الأموات ممن دفنوا ظهر الكوفة:
«أنتم لنا فرط سابق، ونحن لكم تبع لاحق» [١].
ثم خاض عليه السلام في بيان هذا الكلام بعبارات أدق وأوضح و تحليل دقيق و بليغ بعد أن قسم أحوال أهل الدنيا في مصابهم بالحوادث إلى سبعة أقسام ليقول:
«أولستم نزون أهل الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال مشتى: فميت يبكي، وآخر يعزى، وصريح مبتلى، وعائد [٢] يعود، وآخر بنفسه يجود [٣]، وطالب للدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس
بمغفول عنه؛ وعلى أثر الماضي مايمضي الباقي».
يا لها من عبارات رائعة وشاملة عظيمة الثأثير إذا استطاع الإنسان أن يتمثل صورها للناس وهم يتحركون؛ فهذا يموت ويبكى عليه، وهنالك مجلس للعزاء تتوافد عليه الناس جماعات ليعزوا ذوي الفقيد. وهناك من رقد على فراش المرض وقد عاده جمع من الاخوة والأصدقاء. وهناك من يعالج سكرات الموت ويحتضر وليس لأحد أن يفعل له شيئاً. وهناك صورة اخرى يطالعك فيها الناس وهم يسارعون في الركض والحركة دون الالتفات إلى الحلال والحرام والمشروع والممنوع بغية الحصول على شيء من حطام الدنيا؛ بينما كمن لهم الموت في الطريق؛ وإذا به يباغتهم ليقضي على جميع آمالهم وأحلامهم. وبالتالي هناك فئة غافلة مشغولة بالذائذ العيش وسكر النعم والفرح والسرور دون أن تلتفت إلى الموت الذي ينتظرها؛ فاذا هجم الموت على أحدهم أحال فرحهم حزناً وغماً.
هذه هى صور الحياة السائدة طيلة تاريخ البشرية وستكون كذلك، ويا لها من صور تنطوي على الدروس والعبر، إلّاأنّ القلة القليلة من تعتبر.
[١] نهج البلاغة، كلمات القصار ١٣٠.
[٢] «عائد» من يذهب لعبادة أحد.
[٣] «يجود» من مادة «جود» السخاء، وتستعمل في الاحتضار وكأنّ الإنسان يسخو بانفس ما لديه وهى روحه.