نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢١ - القسم الثاني سرعة زوال الدنيا
فالعبارات بمجموعها تكشف النقاب عن ذات الحقيقة وهى تقلب الدنيا وانعدام قيمتها؛ الحقيقة التي يغفلها أغلب الناس، فتقودهم هذه الغفلة إلى البؤس والشقاء والحرمان من السعادة.
ثم يخلص الإمام عليه السلام من هذا البحث بشأن تفاهة الدنيا إلى نتيجة ينبغي أن يبلغها الجميع، وهى مادامت الدنيا كذلك فلا ينبغي اضاعة الجهود من أجل الحصول على مفاخرها الزائفة وعزتها الموهومة، كما لاينبغي الانخداع بزينتها وزخارفها الزائلة، ولاينبغي الشعور بالامتعاض والغصة على آلامها وأحزانها:
«فلا تنافسوا [١] في عز الدنيا وفخرها، ولا
تعجبوا بزينتها ونعيمها، ولاتجزعوا من ضرائها وبؤسها».
وذلك لأنّ فخرها آيل إلى الزوال ونعمتها إلى الفناء، وآلامها إلى انقضاء
«فان عزها وفخرها إلى انقطاع، وان زينتها ونعيمها إلى زوال، وضراءها ويؤسها إلى نفاد [٢]، كل مدة
فيها إلى انتهاء، وكل حي إلى فناء».
فقد ركز الإمام عليه السلام في هذه العبارات الرائعة على عزة الدنيا وفخرها ونعمها وزينتها وآلامها ومصائبها، ليرى فناء كل شيء فيها وزواله، ثم عرض لقانون كلي إلى أنّ كل عز فيها إلى انقطاع وزينة ونعيم إلى زوال وضراء وبؤس إلى نفاد وكل مدة فيها إلى انتهاء، وكل حي فيها إلى فناء؛ فاذا كان الأمر كذلك فما معنى كل هذا النزاع والتنافس والجزع؟! فقد صرح أحد شرّاح نهج البلاغة بأن الماضين قد ذهبوا وأصبحوا ترابا واننا لنطى ترابهم ثم نكون مثلهم، ثم يعبر علينا الآخرون من بعدنا. ومع كل هذا لا نفيق من غفلتنا!! وما أروع حديث الإمام الباقر عليه السلام الذي شبه نعم الدنيا بالمال الذي يراه النائم فان نهض من نومه لم ير شيئاً:
«أو كمال وجدته في منامك، فاستيقظت وليس معك منه شيء» [٣].
أو كما صورها الشاعر:
|
ألا إنّما الدنيا كمنزل راكب |
أناخ عشياً وهو في الصبح راحل |