نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٠ - القسم الثاني سرعة زوال الدنيا
أهوائكم ورغباتكم، وذلك امتثالًا لقوله سبحانه: «وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ» [١]، فلعل هناك بعض الامور التي تبدو حسنة الظاهر يحبها الإنسان، بينما تستبطن السم الزعاف.
ثم قال عليه السلام:
«والمبلية [٢] لأجسامكم وإن كنتم تحبون تجديدها».
فكل فرد يلاحظ على نفسه آثار العجز والتعب بمرور الزمان من قبيل ذهاب النشاط والحيوية وذبول الجلد وضعف العظام وضعف البصر وثقل السمع وتمتمة اللسان وانحناء الظهر وضعف العضلات والاعصاب وما إلى ذلك من الامور التي تؤرق الإنسان وتجعله يشعر بالاسى والحزن. ومن هنا يسعى احيانا وبشتى الوسائل لا ستعادة حيويته ولكن هل يصلح العطار ما أفسد الدهر، طبعاً قد يحقق بعض النجاحات الطفيفة في هذا المجال، إلّاأنّ هناك مسيرة لابدّ له من اجتيازها والوصول إلى مصيره المحتوم، فهل من الصحيح أن يولي الإنسان ظهره لكل هذه الامور ويتعلق بالدنيا؟! الجدير بالذكر أن الدنيا لاتبلي الكائنات الحية ولاسيما بدن الإنسان فحسب، بل يشمل هذا القانون عالم المادة برمته من المجرات حتى الذرات. بل حتى هذه الشمس المشرقة التي تبعث بأشعتها إلى كل مكان إنّما تبلى بالتدريج حتى تنتهي يوماً إلى الزوال؛ الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم «تكوير الشمس» وأيده العلم الحديث.
ثم قال عليه السلام:
«فانما مثلكم ومثلها كسفر [٣] سلكوا سبيلًا فكأنّهم قد قطعوه، وأموا [٤] علماً
فكأنّهم قد بلغوه، وكم عسى المجري [٥] إلى الغاية أن يجري إليها حتى يبلغها».
أكد ذلك عليه السلام بقوله، كيف يمكن أن يؤمل البقاء من كان له يوم لابدّ من بلوغه ولايمكنه تجاوزه، والموت يجري خلفه ليسوقه إلى حتفه وان كان كارها:
«وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه، وطالب حثيث [٦] من الموت يحدوه [٧]، ومزعج [٨] في الدنيا حتى يفارقها
رغما [٩]».
[١] سورة البقرة/ ٢١٦.
[٢] «مبلية» من مادة «بلاء» منهكة.
[٣] «سفر» جمع «مسافر» بمعنى مسافر.
[٤] «أموا» من مادة «أم» على وزن غم القصد.
[٥] «مجرى» من مادة «اجراء» كناية عن المسافر، وقد وردت في تفسيره عدة أقوال، الأنسب ما أوردناه في المتن.
[٦] «حثيث» من مادة «حث» بفتح الحاء السرعة في العمل.
[٧] «يحدو» من مادة «حدى» يسوق.
[٨] «مزعج» من مادة «ازعاج» السوق والاضطراب والاجتثاث.
[٩] «رغم» بمعنى الاجبار، ومنه تمريغ الأنف بالتراب حين يضاف للأنف فيقال رغم أنفه.