نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩ - القسم الثاني معرفة اللَّه عن اللَّه
لانعرف شيئاً عن صفات اللَّه ولا يسعنا ادراكها، وكل ذلك حذراً من التورط في مستنقع التشبيه الذي هوى فيه الفريق الأول.
والحق أنّ الفريقين الأول والثاني على خطأ، فهما لم يستضيئا بنورالوحي وهدى أئمة العصمة عليهم السلام، ومن هنا غرقا في هالة من الظلام الدامس والجهل المطلق. ولو التزما وصية أميرالمؤمنين علي عليه السلام لما قالا بالتعطيل ولا التشبيه، ولا قتنعا بالمعرفة الإجمالية- التي وردت في العبارات القادمة من هذه الخطبة- ولركنا إلى القرآن وكلمات المعصومين عليهم السلام ليصونا أنفسهما من الزلل والانحراف ولاكتفيا بما وردت عنهم عليهم السلام من كلمات في صفاته سبحانه، دون أن يحكموا عقولهم القاصرة بهذا المجال فليس للعقل من فعالية تذكرفي هذا الخصوص دون الاستناد إلى الوحي ومعادنه الواضحة، فالحق أنّ هذا الوادي خطير فلا ينبغي أن يقتصوه، وأنّه بحر لجى لا ينبغي لسهم أن يلجوه. فهى ظلمات بعضها فوق بعض ولا يمكن اختراقها الا بمعونة من كشفت له.
جدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام عبر عما ورد في القرآن بالفرض وسنة المعصومين عليهم السلام بالأثر، ولعل هذا الاختلاف في التعبير بينها يشير إلى حقيقة وهى لزوم ووجوب التعرف على ما جاء في القرآن في باب صفات اللَّه سبحانه. وما وصل عن المعصومين عليهم السلام إنّما هو مبين ذلك الذي جاء في القرآن.
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى نقطة بالغة الأهمية وهى هداية الراسخين في العلم عن الانحراف في معرفة الحقائق القرآنية وذلك لتسليمهم واقرارهم بما خفي عنهم، فاذعنوا لعجزهم عن الخوض فيما غاب عن علمهم. فمدح اللَّه سبحانه هذا الاذعان والاعتراف
«واعلم ان الراسخين في العلم هم الذين اغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح اللَّه تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً»،
ثم أوصى عليه السلام بالاكتفاء والقناعة بهذا المقدار دون تحكيم العقل في الاحاطة بعظمة اللَّه؛ الأمر الذي يؤدي إلى الهلاك
«فاقتصر على ذلك، ولا تقدر عظمة اللَّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين».
فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام قد حذر ذلك السائل الذي سأل عن