نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٦ - القسم الأول عبيد كأرباب
طريقه، وبموضع الشجا [١] من مساغ [٢] ريقه [٣]»
لعل هذه العبارات إشارة إلى معاوية وأهل الشام، حذراً من تسرب الشك والريب إلى قلوب أصحابه بسبب إمهال الله لهم، كما لايشكوا بأحقية الإمام عليه السلام وبطلان معاوية، فالواقع أنّ الإمام عليه السلام رام رافع معنويات جيشه بالفات نظره إلى هذه الحقائق. كما يحتمل أن يكون المراد بالظالم ذلك الجيش المتمرد، فالواقع عبارته تهديد لهم بأنّكم إن أمهلتم عدّة أيام فلايغرنكم ذلك أنّكم ستفلتون من العذاب والمؤاخذة بسبب هذا العصيان والتمرد، ويبدو التفسير الأول أنسب.
على كل حال، هذا هو الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم كراراً بقوله: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ نَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ» [٤]. وقال في موضع آخر «إِنَّ رَبَّك لَبِالْمِرْصادِ» [٥].
ولا يصدق هذا الموضوع أو يقتصر على ظلمة الشام أو مردة العراق فحسب، بل هو درس وعبرة لنا جميعاً، بأنّ المهلة الإلهية لاينبغي أن تقود إلى الغفلة والغرور.
ورد في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال: أنّ الله تبارك وتعالى أهبط ملكا إلى الأرض، فلبث فيها دهراً طويلًا، ثم عرج إلى السماء، فقيل له: مارأيت؟ قال: رأيت عجايب كثيرة، وأعجب مارأيت أني رأيت عبدا متقلباً في نعمتك، يأكل رزقك، ويدعي الربوبية، فعجبت من جرئته عليك ومن حلمك عنه. فقال الله جل جلاله: فمن حلمي عجبت؟ قال: نعم.
قال: قد أمهلته أربعمائة سنة لايضرب عليه عرق، ولايريد من الدنيا شيئاً إلّاناله، ولايتغير عليه فيها مطعم ولا مشرب. [٦]
[١] «الشجا» ما يعترض في الحلق من عظم وغيره.
[٢] «مساغ» من مادة «سوغ» على وزن فوق العذب
[٣] «ريق» ماء الفم.
[٤] سورة آل عمران/ ١٧٨.
[٥] سورة الفجر/ ١٤.
[٦] بحار الانوار ٧٠/ ٣٨١.