نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨ - القسم الثاني معرفة اللَّه عن اللَّه
والتمسك بالرأي والتعويل على الأفكار الإنسانية المحدودة بهذا الخصوص، فكل هذه الامور من وساوس الشيطان ومكائده. لأنّ صفات اللَّه مطلقة كذاته ليست محدودة من جانب، ومن جانب آخر فانّ معارف الإنسان وعلومه إنّما تقتصر على المخلوقات، فاذا اتجهوا صوب صفات اللَّه خشى عليهم السقوط في مستنقع التشبيه على غرار صفات مخلوقاته، ومن هنا فانّ أغلب من ولى ظهره لهذا الأصل الأساسي المتمثل بالرجوع إلى القرآن والوحي وكلمات المعصومين عليهم السلام بُلي بالانحراف وإجراء صفات المخلوق على الخالق، من جهة اخرى فهذا القرآن يهتف بأنديتنا صباح مساء:
«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ» [١]
و
«وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» [٢]
فأنى للإنسان بهذا الفكر القاصر أن يطمع في معرفة ذات اللَّه وصفاته ولا يكتفي بمعرفته الإجمالية على ضوء نور الوحي وهدى العصمة الذي ينأى به بعيدا عن الزلل. فلا يمكن معرفة اللَّه إلّا به، وهو كما عرف نفسه وصفاته. وهنا يبرز هذا السؤال: هل صفات اللَّه توقيفية؟
يعنى لا يجوز وصفه إلّامن خلال ما ورد في الكتاب والسنة؟
ونقول في الإجابة على هذا السؤال نعم هذا ما عليه أغلب المحققين والعلماء الأعلام، إلى جانب ضرورة مراعاة الحيطة والحذر في مبحث صفات اللَّه والانفتاح عليها انطلاقاً من الوحي وكلمات المعصومين عليه السلام. بعبارة اخرى فانّ السبيل إلى معرفة اللَّه وصفاته إنّما يمر عبر خط مستقيم يقع على جانبيه مطبين عظيمين؛ مطب التشبيه ومطب التعطيل.
وتوضيح ذلك: إنّ مبحث معرفة ذات اللَّه وصفاته كسائر المباحث التي اكتنفها الإفراط والتفريط. فقد شبه البعض صفات اللَّه بصفات مخلوقاته، حتى اعتبروا صفاته سبحانه زائدة على ذاته على غرار صفاتنا الزائدة على ذاتنا من قبيل العلم والقدرة وسائر الصفات، فقد كنا لانعلم يوماً ثم أصبح لنا علم، ولم نكن أقوياء ثم أصبحنا كذلك، وهكذا اعتقدوا اشتماله سبحانه على هذه الصفات المشوبة بأنواع النقص، ثم اندفعوا أكثر من ذلك ليصوروا له سائر ما لخلقه من جسم وزمان ومكان وجهة، بل ويد ورجل وشعر مجعد وأمثال ذلك.
بينما خالف البعض الآخر هذا الاتجاه تماماً حتى قال بتعطيل معرفة صفات اللَّه، فزعم أننا
[١] سورة الشورى/ ١١.
[٢] سورة طه/ ١١٠.