مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٢ - ٨٩ سورة الفجر
فعلى إيجاز الآية، لكنّها تشير إلى أنواع العذاب الذي أصابهم، فعاد اصيبوا بريح باردة، كما تقول الآية (٦) من سورة الحاقّة: «وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ». واهلك قوم ثمود بصيحة سماوية عظيمة، كما جاء في الآية (٥) من سورة الحاقّة أيضاً: «فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ». والآية (٥٥) من سورة الزخرف تنقل صورة هلاك قوم فرعون:
«فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ».
وتحذر
الآية التالية
كل من سار على خطى اولئك الطواغيت: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ».
«المرصاد»: من «الرصد» وهو الإستعداد للترقب، وهو في الآية يشير إلى عدم وجود أيّ ملجأ أو مهرب من رقابة اللَّه وقبضته، فمتى شاء سبحانه أخذ المذنبين بالعقاب والعذاب.
«ربّك»: إشارة إلى أنّ هذه السنّة الإلهية لم تقف عند حدّ الذين خلوا من الأقوام السالفة، بل هي سارية حتى على الظالمين من امّتك يا محمّد صلى الله عليه و آله .. وفي ذلك تسلية لقلب النبي صلى الله عليه و آله وتطميناً لقلوب المؤمنين، فالوعد الإلهي قد أكّد على عدم انفلات الأعداء المعاندين من قبضة القدرة الإلهية أبداً أبداً، وفيه تحذير أيضاً لُاولئك الذين يؤذون النبي صلى الله عليه و آله ويظلمون المؤمنين، تحذير بالكف عن ممارساتهم تلك وإلّا سيصيبهم ما أصاب الأكثر منهم قدرة وقوّة، وعندها فسوف لن تقوم لهم قائمة إذا ما أتتهم ريح عاصفة أو صيحة مرعبة أو سيل جارف يقطع دابرهم.
في تفسير علي بن إبراهيم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لما نزلت هذه الآية
«وَجِاىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ» [الفجر: ٢٣]
سئل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فقال: بذلك أخبرني الروح الأمين أنّ اللَّه لا إله غيره، إذا أبرز الخلائق وجمع الأوّلين والآخرين، أتى بجهنم تقاد بألف زمام، مع كل زمام مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد، لها هدة وغضب وزفير، وشهيق، وإنّها لتزفر الزفرة، فلولا أنّ اللَّه عزّ وجل أخرهم للحساب لأهلكت الجميع ثم يخرج منها عنق
[أي طائفة منها]
فيحيط بالخلائق البر منهم والفاجر فما خلق اللَّه عز وجل عبداً من عباد اللَّه ملكاً ولا نبيّاً إلّاينادي نفسي نفسي وأنت يا نبي اللَّه تنادي: امتي امتي ثم يوضع عليها الصراط أدق من حدّ السيف، عليها ثلاث قناطر:
أمّا واحدة فعليها الأمانة والرحم، والثانية فعليها الصلاة، وأمّا الثالثة فعليها عدل ربّ العالمين لا إله غيره، فيكلّفون الممر عليها، فيحبسهم الرحم والأمانة، فإن نجوا منهما حبستهم الصلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى ربّ العالمين عزّ وجل، وهو قوله:
«إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ»»
.