مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٤ - ٨٥ سورة البروج
والمقصود هم الظالمين لا من القي في النار، فالجملة إنشائية والمراد هو اللعن والدعاء عليهم.
والاخدود مليء بالنار الملتهبة: «النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ».
وكان الظالمون جالسون على حافة الاخدود يشاهدون المعذبين فيها: «إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ». «وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ».
«الاخدود»: شقّ في الأرض مستطيل غائص، والجمع أخاديد، وأصل ذلك من «خدّ» الإنسان، وهو تقعر بسيط يكتنف الأنف من اليمين والشمال (وعند البكاء تسيل الدموع من خلاله) ثم اطلق مجازاً على الخنادق والحفر في الأرض، ثم صار معنى حقيقياً لها.
أمّا من هم الذين عذّبوا المؤمنين؟ ومتى؟ إنّهم حفروا خندقاً عظيماً ووجّروه بالنيران، وأوقفوا المؤمنين على حافة الخندق وطلبوا منهم واحداً واحداً بترك إيمانهم والرجوع إلى الكفر، ومن رفض القي بين ألسنة النيران حياً ليذهب إلى ربّه صابراً محتسباً!
«الوقود»: ما يجعل للإشتعال، و
«ذات الوقود»
: إشارة إلى كثرة ما فيها من الوقود، وشدّة اشتعالها، فالنار لا تخلو من وقود، ولعل ما قيل من أنّ «ذات الوقود» بمعنى ذات اللهب الشديد، يعود للسبب المذكور.
والآيتان: «إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ* وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ»، تشيران إلى ذلك الجمع من الناس الذين حضروا الواقعة، وهم ينظرون إلى ما يحدث بكل تلذذ وبرود وفي منتهى قساوة القلب (ساديّة).
وتقول الآية التالية: «وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ».
وذكر
«العزيز الحميد»
جواب لما اقترفوا من جريمة بشعة، واحتجاج على اولئك الكفرة، إذ كيف يكون الإيمان باللَّه جرم وذنب؟! وهو أيضاً تهديد لهم بأن يأخذهم اللَّه العزيز الحميد جزاء ما فعلوا، أخذ عزيز مقتدر.
وتأتي
الآية الاخرى
لتبيّن صفتين اخرتين للعزيز الحميد: «الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ».
فالصفات الأربعة المذكورة، تمثل رمز معبوديته جلّ وعلا، فالعزيز والحميد .. ذو الكمال المطلق، ومالك السماوات والأرض والشهيد على كل شيء .. أحقّ أن يُعبد وحده دون غيره، لا شريك له.