مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧١ - ٧٩ سورة النازعات
التنزّه عن الهوى: وتتجه عدسة آيات القرآن الكريم لتعرض لنا جوانباً من صور عالم القيامة، وتبدأ بتصوير تلك الداهية المذهلة التي تصيب مَن عبد أهواءه في الحياة الدنيا:
«فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى».
«الطامة»: من «الطم» وهو في الأصل بمعنى ملء الفراغ والحفر، ويطلق بالطامة على كل شيء بلغ حدّه الأعلى، ولهذا فقد اطلقت على الحوادث المرّة والصعاب الكبار، وهي في الآية تشير إلى يوم القيامة لما فيها من دواهي تغطي بهولها كل هول، واتبعت ب «الكبرى» زيادة في التأكيد على أهمية وخطورة يوم القيامة.
ويضيف: حال حلول الحدث ... سيستيقظ الجميع من غفلتهم، ويتذكروا ما زرعوا لحياتهم: «يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسنُ مَا سَعَى».
وأنى للتذكر بعد فوات الأوان!
وإذا طلبوا الرجوع إلى الدنيا لإصلاح ما أفسدوا ويتداركوا الأمر، فسيقرعون ب «كَلَّا».
وإذا ما اعتذروا تائبين، فلا محيص عن ردّهم، بعد أن أوصدت أبواب التوبة بأمر الجبّار الحكيم.
نعم، وقد ازيلت الحجب عن قلبه وروحه، سيرى الحقائق بعينها شاخصة أمامه، ولا ينسى حينها ما اكتسبت يداه من أعمال.
وتتحرك
الآية التالية
لوصف ما سيقع: «وَبُرّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى».
فالجحيم موجودة، كما تشير إلى ذلك الآية (٥٤) من سورة العنكبوت: «وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ». ولكن حجب الدنيا تمنعنا من رؤيتها، وأمّا في يوم الفصل، يوم البروز، فسيبرز كل شيء ولا يستثنى من ذلك جهنم.
وفي الآيات الثلاثة التالية، يشير القرآن إلى حال المجرمين والطغاة يوم القيامة: «فَأَمَّا مَن طَغَى* وَءَاثَرَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى».
والآية الاولى تشير إلى فساد عقائد الطغاة، لأنّ الطغيان ينشأ من الغرور، والغرور من نتائج عدم معرفة الباري جّل شأنه.
وبمعرفة عظمة وجلال اللَّه يتصاغر الإنسان حتى يكاد لا يرى لنفسه أثراً، وعندها سوف لن تزل قدمه عن جادة العبودية الحقة، مادام سلوكه يصب في رافد معرفة اللَّه.
والآية الثانية تشير إلى فسادهم العملي، لأنّ الطغيان يوقع الإنسان في شراك اللذائذ الوقتية الفانية ذروة الطموح ومنتهى الأمل، فينساق واهماً لأن يجعلها فوق كل شيء.