مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٧ - ٧٦ سورة الإنسان
لا تتعدى افق أفكارهم دائرة الطعام والنوم والشهوة، وتمثل هذه اللذائذ المادية الرخيصة أسمى غاية لهم في الحياة. والعجيب أنّهم قاسوا روح النبي العظيمة بهذا المقياس.
الآية التالية
تحذرهم من الاغترار بقوّتهم وقدرتهم، إذ إنّ اللَّه الذي أعطاهم إيّاها قادر على أن يستردها بسرعة متى شاء، فيقول تعالى: «نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا».
هنا يشير القرآن إلى نقطة حساسة، وهي جهاز الأعصاب الصغيرة والكبيرة التي تشدّ العضلات فيما بينها كالحبال الحديدية وتربط بعضها بالبعض الآخر، وحتى المفاصل والعضلات المختلفة وقطع العظام الصغيرة والكبيرة وأعضاء الإنسان بحيث يتكون من مجموع ذلك إنسان كامل الخلقة مهيأ للقيام بأية فعالية، وعلى كل حال فهذه الجملة كناية عن القدرة والقوّة.
وتوضّح هذه الآية ضمناً استغناء ذات اللَّه المقدسة، عنهم، وعن طاعتهم وإيمانهم، ليعلموا أنّ الإصرار على دعوتهم للايمان في الحقيقة هو من رحمة اللَّه بهم.
ثم أشار تعالى إلى جميع البحوث الواردة في هذه السورة والتي تشكل بمجموعها برنامجاً متكاملًا للحياة السعيدة، فيقول تعالى: «إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا».
إنّ علينا إيضاح الطريق، لا اجباركم على اختيار الطريق، وعليكم تمييز الحق من الباطل بما لديكم من العقل والإدراك، واتخاذ القرار بإرادتكم واختياركم، وهذا تأكيداً على ما جاء في صدر السورة في قوله: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا».
وقد يتوهّم بعض السذّج من العبارة أعلاه أنّها تعني التفويض المطلق للعباد، فجاءت
الآية التالية
لتنفي هذا التصور وتضيف: «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا».
وهذا في الحقيقة إثبات لأصل مشهور هو
(الأمر بين الأمرين)
، إذ يقول من جهة: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ». فعليكم أن تختاروا ما تريدون، ويضيف من جهة اخرى: «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ». أي ليس لكم الإستقلال الكامل، بل إنّ قدرتكم واستطاعتكم وحريتكم لا تخرج عن دائرة المشيئة الإلهية، وهو قادر على أن يسلب هذه القدرة والحرية متى شاء.
من هذا يتّضح أنّه لا جبر ولا تفويض في الأوامر، بل إنّها حقيقة دقيقة وظريفة بين