مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣ - ٥٤ سورة القمر
ثم يشير هنا إشارة معبّرة وقويّة في كيفية العذاب الذي إبتلوا به وصبّ عليهم حيث يقول سبحانه: «فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ».
إنّ تعبير إنفتاح أبواب السماء لتعبير رائع جدّاً، ويستعمل عادةً عند هطول الأمطار الغزيرة.
«منهمر»: من مادة «همر» على وزن (صبر) وتعني النزول الشديد للدموع أو الماء.
ويذكر أنّ الماء الذي أدّى إلى الطوفان لم يكن من هطول الأمطار فقط، بل كان من تفجير العيون في الأرض، حيث يقول تعالى: «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا». وهكذا إختلط ماء السماء بماء الأرض بمقدار مقدّر وملأ البسيطة: «فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ».
وتترك الآيات الكريمة مسألة الطوفان، لأنّ ما قيل فيها من الآيات السابقة يعتبر كافياً فتنتقل إلى سفينة نجاة نوح عليه السلام حيث يقول تعالى: «وَحَمَلْنهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ».
«دسر»: جمع «دِسار» بمعنى الإبعاد أو النهر بشدة مقترناً مع حالة عدم الرضا.
فإنّ التعبير القرآني هنا ظريف، لأنّه كما يقول الباريء عزّ وجل بأنّنا وفي وسط ذلك الطوفان العظيم، الذي غمر كل شيء أودعنا أمر نجاة نوح وأصحابه إلى مجموعة من المسامير وقطع من الخشب، وهكذا تتجلّى القدرة الإلهية العظيمة.
ويشير سبحانه إلى لطف عنايته للسفينة المخصّصة لنجاة نوح عليه السلام حيث يقول سبحانه:
«تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا». أي أنّ هذه السفينة تسير بالعلم والمشيئة الإلهية، وتشقّ الأمواج العالية بقوّة وتستمر في حركتها تحت رعايتنا وحفظنا.
ثم يضيف تعالى: «جَزَاءً لّمَن كَانَ كُفِرَ».
إنّ نوح عليه السلام كسائر الأنبياء الإلهيين يعتبر نعمة إلهية عظيمة وموهبة من مواهبه الكبيرة على البشرية، إلّاأنّ قومه الحمقى كفروا به وبرسالته.
ثم يقول سبحانه وكنتيجة لهذه القصة العظيمة موضع العظّة والاعتبار: «وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ».
وفي
الآية اللاحقة
يطرح اللَّه سبحانه سؤالًا معبّراً ومهدّداً للكافرين الذين اتّبعوا نفس المنهج الذي كان عليه قوم نوح حيث يقول سبحانه: «فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ».
هل هذه حقيقة واقعة، أم قصة واسطورة؟
ويضيف مؤكّداً هذه الحقيقة في
آخر الآية
مورد البحث في قوله تعالى: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ».