مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨١ - ٧٢ سورة سورة الجن
التّفسير
القرآن العجيب: يقول اللَّه تعالى: «قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ الْجِنّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا».
يعلم من مفهوم الآية أنّ للجن عقلًا وشعوراً وفهماً وإدراكاً، وأنّهم مكلّفون ومسؤولون، ولهم المعرفة باللغات ويفرقون بين الكلام الخارق للعادة بين الكلام العادي، وبين المعجز وغير والمعجز، ويجدون أنفسهم مكلّفين بإيصال الدعوة إلى قومهم، وأنّهم هم المخاطبون في القرآن المجيد.
إنّ لهم الحق في أن يحسبوا هذا القرآن عجباً، لِلَحنِه العجيب، ولجاذبية محتواه، ولتأثيره العجيب، ولمن جاء به والذي لم يكن قد درس شيئاً وقد ظهر من بين الاميين.
لقد تحدثوا لقومهم بحديث آخر تبيّنه السورة في (١٢) آية، وكل منها تبدأ ب (أن) وهي دلالة على التأكيد.
فيقول أوّلًا بأنّهم قالوا: «يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبّنَا أَحَدًا».
وبعد إظهار الإيمان ونفي الشرك باللَّه تعالى ينتقل كلامهم إلى تبيان صفات اللَّه تعالى:
«وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا».
«جد»: لها معانٍ كثيرة في اللغة، منها: العظمة، والشدّة، والجد، والقسمة، والنصيب. وأمّا المعنى الحقيقي فهو «القطع»، وتأتي بمعنى «العظمة» إذا كان هناك كائن عظيم منفصل بذاته عن بقية الكائنات.
ثم قالوا: «وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا». أي أنّ سفهاءنا قالوا: إنّ للَّهزوجة وأطفالًا، واتّخذ لنفسه شريكاً وشبيهاً، وإنّه قد انحرف عن الطريق، وكان يقول شططاً.
واحتمل بعض المفسرين أنّ
«السفيه»
هنا له معنى انفرادي، والمقصود به هو «ابليس» الذي نسب إلى اللَّه نسب ركيكة، وذلك بعد مخالفته لأمر اللَّه.
ولمّا كان ابليس من الجن، وكان قد بدا منه ذلك، اشمأز منه المؤمنون من الجن واعتبروا ذلك منه شططاً، وإن كان عالماً وعابداً.
«شطط»: على وزن وسط، وتعني الخروج والإبتعاد عن قول الحق.
ثم قالوا: «وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا».