مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٥ - ٥٧ سورة الحديد
الهدف الأساس من بعثة الأنبياء: ابتدأ اللَّه سبحانه وتعالى عباده بالنعم فكانت رحمته ولطفه ومغفرته، ونعمه الكثيرة التي لا تحصى والتي اشير إليها في الآيات السابقة ... ولأنّ هذه النعم تحتاج إلى تقنين في استعمالها، ونظم وشرائط لنيل نتائجها المرجوّة، لذا فإنّه يحتاج إلى قيادة تقوم بمباشرتها والإشراف عليها وإعطاء التوجيهات الإلهية بشأنها، وهؤلاء القادة يجب أن يكونوا (قادة إلهيين) والآية مورد البحث- التي تعتبر من أكثر الآيات القرآنية محتوى- تشير إلى هذا المعنى، وتبيّن هدف إرسال الأنبياء ومناهجهم بصورة دقيقة، حيث يقول سبحانه: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ».
وبهذه الصورة فإنّ الأنبياء كانوا مسلّحين بثلاث وسائل وهي:
«الدلائل الواضحة»
، و
«الكتب السماوية»
، و
«معيار قياس الحق من الباطل»
والجيّد من الرديء. ولا يوجد مانع من أن يكون القرآن
(بيّنة)
أي معجزة، وهو كذلك كتاب سماوي ومبيّن للأحكام والقوانين، أي أنّ الأبعاد الثلاثة تصبّ في محتوى واحد وهي موجودة في القرآن الكريم.
وعلى كل حال، فإنّ الهدف من تعبئة هؤلاء الرجال العظام بهذه الأسلحة الأساسية، هو إقامة القسط والعدل.
وأنّ هذه الآية تشير إلى أحد الأهداف العديدة لارسال الرسل.
ثم إنّ أي مجتمع إنساني مهما كان مستواه الأخلاقي والاجتماعي والعقائدي والروحي عالياً، فإنّ ذلك لا يمنع من وجود أشخاص يسلكون طريق العتو والطغيان، ويقفون في طريق القسط والعدل، واستمراراً لمنهج الآية هذه يقول سبحانه: «وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ».
إنّ هذه الأسلحة الثلاثة التي وضعت تحت تصرّف الأنبياء هي بهدف أن تكون الأفكار والمفاهيم التي جاء بها الأنبياء فاعلة ومؤثّرة، وتحقّق أهدافها المنشودة، فقد وضع الحديد والبأس الشديد في خدمة رسل اللَّه.
إنّ تعبير
(أنزلنا)
إشارة إلى الهبات التي تعطى من المقام الأعلى إلى المستوى الأدنى، وهنا حديث لأمير المؤمنين عليه السلام في تفسيره لهذا القسم من الآية حيث قال:
«فإنزاله ذلك: خلقه إيّاه» [١].
[١] الاحتجاج، الشيخ الطبرسي ١/ ٣٧٢.