مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣ - ٥٦ سورة الواقعة
سبحانه للقسم الثالث من عباده المقربين، والتي كل واحدة منها أعظم من اختها وأكرم ..
وقد لخّصت هذه النعم بسبعة أقسام:
يقول تعالى في البداية: «عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ* مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ».
«سرر»: جمع «سرير» من مادة (سرور) بمعنى التخت الذي يجلس عليه المنعّمين في مجالس الانس والسرور.
ونلاحظ استمرار الأوصاف الرائعة في القرآن الكريم لسرر الجنة، ومجالس أهلها، ومنتديات أحبّتها مما يدل على أنّ من أهم نعم وملذات هؤلاء هي جلسات الانس هذه ..
ثم يتحدث سبحانه عن نعمة اخرى لهم حيث يقول: «يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ».
التعبير ب «يطوف» من مادة (طواف) إشارة إلى استمرار خدمة هؤلاء (الطوافين) لضيوفهم.
والتعبير ب «مخلّدون» إشارة إلى خلود شبابهم ونشاطهم وجمالهم وطراوتهم، والأصل أنّ جميع أهل الجنة مخلّدون وباقون.
ويضيف القرآن أنّ هؤلاء الولدان يقدّمون لأصحاب الجنة أقداح الخمر وكؤوس الشراب المأخوذ من أنهار الجنة: «بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقٍ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ» [١].
وشرابهم هذا ليس من النوع الذي يأخذ لباب العقل والفكر، حيث يقول تعالى: «لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ» [٢].
إنّ الحالة التي تنتابهم من النشوة الروحية حين تناولهم لهذا الشراب لا يمكن أن توصف، إذ تغمر كل وجودهم بلذة ليس لها مثيل.
ثم يشير سبحانه إلى رابع وخامس قسم من النعم المادية التي وهبها اللَّه للمقربين في الجنة، حيث يقول سبحانه: «وَفَاكِهَةٍ مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ». «وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ».
[١] «أكواب»: جمع «كوب» بمعنى القدح أو الإناء الذي لا عروة له؛ و «أباريق»: جمع «إبريق» وهي في الأصل اخذت من الفارسية (أبريز) بمعنى الأواني ذات اليد من جهة، ومن الاخرى ذات أنبوب لصبّ السائل؛ و «كأس»: تقال للإناء المملوء بالسائل لدرجة يفيض من جوانبه؛ و «معين» من مادة «معن» بمعنى الجاري.
[٢] «يصدّعون»: من مادة «صداع» على وزن (حباب)، بمعنى وجع الرأس، وهذا المصطلح في الأصل من (صدع) بمعنى (الإنفلاق) لأنّ الإنسان عندما يصاب بوجع رأس شديد فكأنّ رأسه يريد أن ينفلق من شدّة الألم، لذا فإنّ هذه الكلمة قد استعملت في هذا المعنى؛ و «ينزفون»: من أصل «نزف» بمعنى سحب جميع مياه البئر بصورة تدريجيّة، وتستعمل أيضاً حول (السُكْرُ) وفقدان العقل.