مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨ - ٥٥ سورة الرحمن
وللجواب على هذا السؤال نذكر ما يلي: يمكن ألّا يكون المقصود بالفناء هنا هو الفناء المطلق، وإنّما هو الباب الذي يطلّ منه على عالم الآخرة، والجسر الذي لابدّ منه للوصول إلى دار الخلد؛ أو أنّ النعم الإلهية الكثيرة- المذكور سابقاً- يمكن أن تكون سبباً لغفلة البعض وإسرافهم فيها بأنواع الطعام والشراب والزينة والملابس والمراكب وغير ذلك، مما يستلزم تحذيراً إلهياً للإنسان، بأنّ هذه الدنيا ليست المستقر، فالحذر من التعلق بها، ولابد من الاستفادة من هذه النعم في طاعة اللَّه ... إنّ هذا التنبيه والتذكير بالرحيل عن هذه الدنيا هو نعمة عظيمة. ويضيف في
الآية اللاحقة
قوله سبحانه: «وَيَبْقَى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَللِ وَالْإِكْرَامِ».
«وجه»
معناه اللغوي معروف وهو القسم الأمامي للشيء بحيث يواجهه الإنسان في الطرف المقابل، وإستعمالها بخصوص لفظ الجلالة يقصد به (الذات المقدسة).
أمّا «ذُو الْجَللِ وَالْإِكْرَامِ» والذي هو وصف ل (الوجه) فإنّه يشير إلى صفات الجمال والجلال للَّهسبحانه، لأنّ «ذُو الْجَللِ» تنبّئنا عن الصفات التي يكون اللَّه أسمى وأجلّ منها (الصفات السلبية). وكلمة
«الإكرام»
تشير إلى الصفات التي تظهر حسن وقيمة الشيء، وهي الصفات الثبوتية للَّهسبحانه كعلمه وقدرته.
وبناءً على هذا فإنّ معنى الآية بصورة عامّة يصبح كالآتي: إنّ الباقي في هذا العالم هو الذات المقدسة للَّهسبحانه، والتي تتّصف بالصفات الثبوتية والمنزهة عن الصفات السلبية.
ثم يخاطب الخلائق مرّة اخرى: «فَبِأَىّ ءَالَاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ».
ومضمون
الآية اللاحقة
هي نتيجة للآيات السابقة، حيث يقول سبحانه: «يَسْئَلُهُ مَن فِى السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ».
ولماذا لا يكون كذلك في الوقت الذي يفنى الجميع ويبقى وحده سبحانه.
التعبير ب
(يسأله)
جاء بصيغة المضارع، وهو دليل على أنّ السؤال والطلب في الكائنات مستمر من الذات الإلهية المقدسة، وهذا شأن الموجود الممكن الذي هو مرتبط بواجب الوجود ليس في الحدوث فقط، وإنّما في البقاء أيضاً.
ثم يضيف سبحانه: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ».
إنّ خلقه مستمر، وإجاباته لحاجات السائلين والمحتاجين لا تنقطع، كما أنّ ابداعاته مستمرّة فيجعل الأقوام يوماً في قوّة وقدرة، وفي يوم آخر يهلكهم، ويوماً يعطي السلامة