مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٠ - ١١٣ سورة الفلق
بربّ الفلق أعوذ: يخاطب اللَّه سبحانه نبيّه باعتباره الاسوة والقدوة، ويقول له: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ* مِن شَرّ مَا خَلَقَ».
«الفلق»: من «فَلَق» أي شقّ وفَصَل؛ وسمي طلوع الصبح بالفلق لأنّ ضوء الصبح يشق ظلمة الليل؛ ومثله الفجر، اطلق على طلوع الصبح لنفس المناسبة.
وقيل: إنّ الفلق يعني ولادة كل الموجودات الحيّة، بشرية كانت أم حيوانية أم نباتية.
فولادة هذه الموجودات تقترن بفلق حبّتها أو بيضتها، والولادة من أعجب مراحل وجود هذه الأحياء.
وقيل: إنّ الفلق له معنى واسع يشمل كل خلق، لأنّ الخلق، هو شقّ ستار العدم ليسطع نور الوجود.
وكل واحد من هذه المعاني الثلاثة (طلوع الصبح- وولادة الموجودات الحيّة- وخلق كل موجود) ظاهرة عجيبة تدل على عظمة الباري والخالق والمدبّر، ووصف اللَّه بذلك له مفهوم عميق.
«مِن شَرّ مَا خَلَقَ» ... من كل موجود شرّير من الإنس والجن والحيوان وحوادث الشرّ والنفس الأمارة بالسوء، وهذا لا يعني أنّ الخلق الإلهي ينطوي في ذاته على شرّ، لأنّ الخلق هو الإيجاد، والإيجاد خير محض. يقول سبحانه: «الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ» [١].
بل الشرّ يعرض المخلوقات حين تنحرف عن قوانين الخلقة، وتنسلخ عن المسير المعين لها، على سبيل المثال، أنياب الحيوانات وسيلة دفاعية تستخدمها أمام الأعداء، كما نستخدم نحن السلاح للدفاع مقابل العدو، فلو أنّ هذا السلاح استخدم في محله فهو خير، وإن لم يستعمل في محله كأن صوّب تجاه صديق فهو شرّ.
وجدير بالذكر أنّ كثيراً من الامور نحسبها شرّاً وفي باطنها خير كثير، مثل الحوادث والبلايا التي تنفض عن الإنسان غبار الغفلة وتدفعه إلى التوجه نحو اللَّه هذه ليس من الشرّ حتماً.
«وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ». «غاسق»: من الغسق، وهو شدّة ظلمة الليل في منتصفه.
«غاسق»: تعني إذن في الآية: الفرد المهاجم، أو الموجود الشرّير الذي يتستر بظلام الليل لشنّ هجومه.
«وقب»: من الوَقب، وهو الحفرة، ثم استعمل الفعل «وَقَبَ» للدخول في الحفرة؛ وكأنّ
[١] سورة السّجدة/ ٧.