مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٩ - ١٠٨ سورة الكوثر
فهو إخبار بالمستقبل القريب والبعيد، إخبار إعجازي يشكل دليلًا آخر على صدق دعوة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله.
هذا الخير الكثير يستوجب شكراً عظيماً، وإن كان المخلوق لا يستطيع أداء حق نعمة الخالق أبداً، إذ إنّ توفيق الشكر نعمة اخرى منه سبحانه، ولذا يقول سبحانه لنبيّه: «فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ».
نعم، واهب النعم هو سبحانه. لذلك ليس ثمّة معنى للعبادات إن كانت لغيره.
والأمر بالصلاة والنحر للربّ مقابل ما كان يفعله المشركون من سجودهم للأصنام ونحرهم لها، بينما كانوا يرون نعمهم من اللَّه. وتعبير
(لربّك)
دليل واضح على وجوب قصد القربة في العبادات.
وفي
آخر آية
يقول اللَّه سبحانه لنبيّه ردّاً على ما وَصَمه به المشركون: «إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ». «الشانيء»: هو المعادي من «الشنان»- على وزن ضربان- وهو العداء والحقد.
و «أبتر»: في الأصل هو الحيوان المقطوع الذنب. وصدر هذا التعبير من أعداء الإسلام لإنتهاك الحرمة والإهانة. وكلمة (شانيء) فيها ايحاء بأنّ عدوك لا يراعي أيّة حرمة ولا يلتزم بأي أدب. أي أنّ عداوته مقرونة بالفظاظة والدناءة. والقرآن يقول لهؤلاء الأعداء في الواقع: إنّكم أنتم تحملون صفة الأبتر لا رسول اللَّه.
بحث
فاطمة عليها السلام والكوثر: قلنا إنّ «الكوثر» له معنى واسع يشمل كل خير وهبه اللَّه لنبيّه صلى الله عليه و آله، ومصاديقه كثيرة، لكن كثيراً من علماء الشيعة ذهبوا إلى أنّ «فاطمة الزهراء عليها السلام» من أوضح مصاديق الكوثر، لأنّ رواية سبب النزول تقول: إنّ المشركين وصموا النبي بالأبتر، أي بالشخص المعدوم العقب، وجاءت الآية لتقول: «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ».
ومن هنا نستنتج أنّ الخير الكثير أو الكوثر هو فاطمة الزهراء عليها السلام، لأنّ نسل الرسول صلى الله عليه و آله انتشر في العالم بواسطة هذه البنت الكريمة ... وذرّيّة الرسول صلى الله عليه و آله من فاطمة عليها السلام لم يكونوا امتداداً جسمياً للرسول فحسب، بل كانوا امتداداً رسالياً صانوا الإسلام وضحوا من أجل المحافظة عليه وكان منهم أئمّة الدين الإثني عشر، أو الخلفاء الإثني عشر بعد النبي كما أخبر عنهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في الأحاديث المتواترة بين السنّة والشيعة.
والفخر الرازي في استعراضه لتفاسير معنى الكوثر، يقول: