مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥ - ٥٤ سورة القمر
ثم يشير القرآن إلى هذا الأصل وهو أنّ صفحة أعمال الأقوام السابقة لم تنته بموتهم، بل هي باقية ومسجّلة عليهم، يقول سبحانه: «وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى الزُّبُرِ». فكذلك أعمالكم مثبّتة ومحفوظة ليوم الحساب.
«زبر»: جمع «زبور» بمعنى الكتاب، وهي تشير إلى صحيفة أعمال الإنسان.
ثم يضيف سبحانه: «وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ».
وبناءً على هذا فحساب الأعمال في ذلك اليوم هو حساب شامل وتامّ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، حيث يستلم المجرمون صفحة أعمالهم كاملة، فيصعقون لهولها ويصطرخون لدقّتها: «وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هذَا الْكِتَابِ لَايُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا» [١].
ولما كانت السنّة المتّبعة في القرآن الكريم غالباً ما تعتمد المقارنة بين جبهة الصلاح والهدى من جهة، وجبهة الفساد والضلال من جهة اخرى، لأنّ في المقارنة يبرز التفاوت والاختلاف بصورة أفضل، فهنا أيضاً بعد الحديث عن مصير الكفار والمجرمين يشير سبحانه إشارة مختصرة إلى العاقبة السعيدة والحبور العظيم الذي يكون من نصيب المتقين حيث يقول سبحانه: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ».
وفي
آخر آية
مورد البحث والتي هي آخر آية في سورة القمر يوضّح الباريء بصورة أكثر (مستقر المتقين) حيث يقول سبحانه أنّهم: «فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ».
ويا له من وصف رائع وظريف! حيث إنّ هذا الوصف يتميّز بخصوصيتين تجمعان كل السمات الرائعة:
الاولى: أنّ المكان هو (مستقرّ صدق) وليس فيه باطل، بل كلّه حق يجد فيه المتقون كل ما وعدوا به كاملًا غير منقوص.
الثانية: أنّهم في جوار وقرب اللَّه سبحانه، وهذا هو المستفاد من كلمة
(عند)
والذي يشير إلى غاية القرب المعنوي، وهذا القرب هو من اللَّه المالك القادر ... ما أروعه عن قرب من الربّ الكريم الوهّاب والذي يمنح العطايا والهبات لضيوفه المتقين بجميل لطفه وعظيم إحسانه وواسع كرمه، حيث جميع ما في الوجود تحت قبضته وإمرته ومالكيته، وهو المنّان
[١] سورة الكهف/ ٤٩.