مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٨ - ٨٣ سورة المطففين
إنّه ليس كشراب أهل الدنيا الشيطاني، بما يحمل من خبث دافع إلى المعاصي والجنون، بل هو شراب طاهر يذكي العقول ويدب النشاط والصفاء في شاربه. و «الرحيق» هو الشراب الخالص الذي لا يشوبه أيّ غش أو تلوث؛ و «مختوم»: إشارة إلى أنّه أصلي ويحمل كل صفاته المميزة عن غيره من الأشربة ولا يجاريه شراب قطّ، وهذا بحدّ ذاته تأكيد آخر على خلوص الشراب وطهارته.
وتقول الآية التالية: «خِتَامُهُ مِسْكٌ».
هو شراب طاهر مختوم، وإذا ما فتح ختمه فتفوح رائحة المسك منه.
«وَفِى ذلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ». «التنافس»: تمنّي كل واحد من النفسين مثل الشيء النفيس الذي للنفس الاخرى أن يكون له.
وجاء مضمون الآية في الآية (٢١) من سورة الحديد: «سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ».
ونصل لآخر وصف شراب الأبرار في الجنة: «وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ». أي: أنّه ممزوج بالتسنيم: «عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ».
ومن خلال الآيتين أعلاه، يتّضح لنا بأنّ
«التسنيم»
هو أشرف شراب في الجنة، وموجود في الطبقات العليا من الجنة .. ويجري في الهواء فينصب في أواني أهل الجنة و «المقرّبون» يشربون منه بشكل خالص، فيما يشربه «الأبرار» ممزوجاً بالرحيق المختوم.
وتؤكّد الأحاديث والروايات على أنّ تلك الأشربة خالصة لمن تنزّه عن الولوغ في خمور الدنيا الخبيثة.
ففي وصية النبي صلى الله عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السلام:
«ومن ترك الخمر للَّهسقاه اللَّه من الرحيق المختوم» [١].
وروي عن علي بن الحسين عليه السلام قال:
«من أطعم مؤمناً من جوع أطعمه اللَّه من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً من ظمأ سقاه اللَّه من الرحيق المختوم» [٢].
وجاء في حديث آخر:
«من صام للَّهفي يوم صائف، سقاه اللَّه على الظمأ من الرحيق
[١] تفسير مجمع البيان ١٠/ ٢٩٧.
[٢] الكافي ٢/ ٢٠١.