مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٣ - ٨١ سورة التكوير
فيما توبخ الآيات أعلاه اولئك الذين عادوا القرآن وانحرفوا عن خطّ سير الرسالة الربّانية الهادية، فتقول لهم بصيغة الإستفهام التوبيخي: «فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ».
وتأتي
الآية الثانية
لتقول: «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ».
فالآية تتحدث بلسان الوعظ والتذكير، عسى أن يستيقظ مَن تملّكه نوم غفلته.
لا يمكن للهداية والتربية أن تؤدّي فعلها بوجود المرشد الناحج فقط، بل لابدّ من توفر عنصر الإستعداد وتقبل الهداية من قبل الطرف الآخر، ولذلك ... فبعد الوعظ والتذكير جاءت
الآية التالية
لتبيّن هذه الحقيقة: «لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ».
فالآية الاولى قد ذكرت عمومية الفيض الإلهي في القرآن الكريم، فيما خصصت الآية التالية عملية الإستفادة من هذا الفيض الجزيل وحددته بشرط الإستقامة.
وهذه القاعدة جارية في جميع النعم والمواهب الإلهية في العالم، فإنّها عامة التمكين، خاصة الإستفادة، فمن لا يملك الإرادة والتصميم على ضوء الهدي القرآني لا يستحق فيض رحمة اللَّه ونعمه.
ولكي لا يتصور بأنّ مشيئة وإرادة الإنسان مطلقة في سيره على الطريق المستقيم، ولكي يربط الإنسان مشيئته بمشيئة وتوفيق اللَّه عزّ وجل، جاءت
الآية التالية
لتقول: «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ».
والآيتان السابقتان تبيّنان فلسفة «أمر بين الأمرين» التي أشار إليها الإمام الصادق عليه السلام؛ فمن جهة، إنّ الإرادة والقرار بيدكم، ومن جهة اخرى، يلزم تلك الإرادة وذلك القرار ما يشاء اللَّه ربّ العالمين ... وإنّ خلقتم أحراراً مختارين، فالحرية والإختيار منه جلّ اسمه، ولولا إرادته ذلك لما كان.
فالإنسان ليس بمجبور على أعماله مطلقاً، ولا هو بمختار بكلّ معنى الإختيار، ولكن ...
كما روي عن الإمام الصادق عليه السلام:
«لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين».
فكل ما للإنسان من: عقل، فهم، قدرة بدنية، وقدرة على اتخاذ القرار، كل ذلك من اللَّه عزّ وجل، فهو من جهة في حالة الحاجة الدائمة للإتصال به جلّ شأنه، ولو شاء اللَّه لتوقف كل شيء وانتهى، وهو من جهة اخرى مسؤول عن أعماله لما له من حرية واختيار على تنفيذها.
«نهاية تفسير سورة التّكوير»