مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٢ - ٨٠ سورة عبس
«الصّاخة»: من «صخّ» وهو الصوت الشديد الذي يكاد يأخذ بسمع الإنسان، ويشير في الآية إلى نفخة الصور الثانية، وهي الصيحة الرهيبة التي تعيد الحياة إلى الموجودات بعد موتها جميعاً ليبدأ منها يوم الحشر.
ولذا تأتي
الآية التالية
، ولتقول مباشرة: «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ».
ذلك الأخ الذي ما كان يفارقه وقد ارتبط به بوشائج الاخوة الحقة!
وكذلك: «وَأُمّهِ وَأَبِيهِ».
حتى: «وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ».
فوحشة ورهبة يوم القيامة لا تُنسي الأخ والام والأب والزوجة والأولاد فحسب، بل وتتعدى إلى الفرار منهم، وعندما ستتقطع كل روابط وعلاقات الإنسان الفرد مع الآخرين.
ولكن ... لِم الفرار؟ ... «لِكُلّ امْرِىٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ».
«يغنيه»: كناية لطيفة عن شدّة انشغال الإنسان بنفسه في ذلك اليوم، ولما سيرى من حادث مذهلة، تأخذه كاملًا، فكراً وقلباً.
عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال له بعض أهله: يا رسول اللَّه! هل يذكر الرجل يوم القيامة حميمه؟ فقال صلى الله عليه و آله:
«ثلاثة مواطن لا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى ينظر أيثقل ميزانه أم يخفّ، وعند الصراط حتى ينظر أيجوزه أم لا، وعند الصحف حتى ينظر بيمينه يأخذ الصحف أم بشماله، فهذه ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد حميمه ولا حبيبه ولا قريبه ولا صديقه، ولا بنيه ولا والديه، وذلك قول اللَّه تعالى:
«لِكُلّ امْرِىٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ»» [١].
وينتقل البيان القرآني ليصور لنا حال العباد بقسميهم في ذلك اليوم، فتقول:
«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ». أي مشرقة وصبيحة.
«ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ». «وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ». «تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ». أي تغطيها ظلمات ودخان.
«أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ».
«مسفرة»: من «الأسفار»، بمعنى الظهور بياض الصبح بعد ظلام الليل.
[١] البرهان في تفسير القرآن ٥/ ٥٨٦.