مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٣ - ٧٥ سورة القيامة
القيامة، وكذلك تبيّن علل إنكار المعاد فيقول تعالى: «كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ». فليس الأمر كما يتصور من أنّ دلائل المعاد خفيّة ولا يمكنكم الاطّلاع عليها، بل إنّكم عشقتم الدنيا. ولهذا السبب تركتم الآخرة: «وَتَذَرُونَ الْأَخِرَةَ».
إنّ الشك في قدرة اللَّه تعالى وجمع العظام وهي رميم ليس هو الدافع لإنكار المعاد، بل إنّ حبّكم الشديد للدنيا والشهوات والميول المغرية هي التي تدفعكم إلى رفع الموانع عن طريق ملذاتكم، وبما أنّ المعاد والشريعة الإلهية توجد موانع وحدوداً كثيرة على هذا الطريق، لذا تتمسكون بإنكار أصل الموضوع، وتتركون الآخرة بتمامها.
وهاتان الآيتان تؤكّدان ما ورد في الآيات السابقة والتي قال فيها تعالى شأنه: «بَلْ يُرِيدُ الْإِنسنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ». وقال أيضاً: «يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيمَةِ».
ثم ينتهي إلى تبيان أحوال المؤمنين الصالحين والكفار المسيئين في ذلك اليوم، فيقول تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ».
«ناضرة»: من مادة «نضرة» وتعني البهجة الخاصة التي يحصل عليها الإنسان عند وفور النعمة والرفاه، ووفورها يلازم السرور والجمال والنورانية.
هذا من ناحية العطايا المادية، وأمّا عن العطايا الروحية فيقول تعالى: «إِلَى رَبّهَا نَاظِرَةٌ». نظرة بعين القلب وعن طريق شهود الباطن، نظرة تجذبهم إلى الذات الفريدة وإلى ذلك الكمال والجمال المطلقين، وتهبهم اللذة الروحانية والحال الذي لا يوصف.
في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه و آله قال:
«إذا دخل أهل الجنة، الجنة قال اللَّه تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟
قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إلى ربّهم عزّ وجل».
وفي النقطة المقابلة لهذه الجماعة المؤمنة، هناك جماعة تكون وجوههم مقطبة. «وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ».
فعندما ينظر الكافرون إلى علامات العذاب وصحائف أعمالهم الخالية من الحسنات والمملوءة بالسيئات، يصيبهم الندم والحسرة والحزن ويعبسون وجوههم لذلك. «تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ».
إنّ هذا التعبير كناية للعقوبات الثقيلة والتي تنتظر هذه الجماعة في جهنم، لكن إنّ الجماعة السابقة منتظرون لرحمة اللَّه تعالى ومستعدون للقاء المحبوب. هؤلاء لهم أسوأ العذاب.
وأولئك لهم أسمى النِعم الجسمانية والمواهب واللذات الروحانية.